المبدعون العراقيون غابوا.. مَن السبب؟

المتابع لما يُنشر من تحليلات سياسية، ومن شعر وقصة وآراء نقدية، يجد ان النزعة الفردية، والرؤية الاحادية هي السائدة في معظم تلك الاعمال. هي بعيدة عن الموضوعية، وخالية من سمات الابداع في حدها الادنى، ربما لواقع الحال المضطرب الذي يسكننا جميعا، دوره في هذا الحال. لكن الحقيقة ينبغي ان تقال بقوة، قبل ان يدغدغ الخدر الامزجة، ويصبح الهرم الابداعي العراقي خارج السياق المعروف عبر تاريخه الزاخر بالتجديد في كل مناحي الحياة. فالصمت يتحرك اسرع حين يمضي الى الخلف!

لا اطالب بسياب جديد، ولا علي جواد الطاهر آخر، وعبدالجبار عبدالله ومصطفى جواد وزها حديد وعلي الوردي ويوسف العاني ومحمد القبانجي وابراهيم صالح شكر وجواد سليم وحضيري ابو عزيز وعلاء بشير، انما آمل من الذين يتصدرون مشهد الكتابة، والاحاديث في التلفزيون والتدريس في الجامعات، ان يجعلوا الابداع هدفا اساسيا لهم، بدلاً من سهل الكلام، وتكرار المعلومات، والادعاءات واللغو في الندوات التي زادت اعدادها بشكل مثير للاشمئزاز في بغداد والمحافظات، تحت اسماء كبيرة، وتأثيرات ضئيلة!

ان الابداع لا حدود له، تخومه عند السماء، وذيوله عند اخر موجة تتكسر لنهر دفاق تحبسه السدود، فما دامت الكلمة بعبقرية بنائها وعظمة محتواها قادرة على التعبير عن الحالة الابداعية خارج حدود الزمان والمكان فهي اصيلة وحديثة. وفي مرات عديدة اقرأ موضوعات ودراسات كتبت منذ مئات او عشرات السنين تهز الوجدان والمشاعر، وكأنها كتبت البارحة. بالمقابل هناك نصوص تكتب الان سواء بالشكل التقليدي او الحداثي، لكنها لا تشعرني ابدا بأنها تعبر عن ألق او لوعة الانسان ولا تمثل الزمان ولا تعبر عن المكان، فمسألة الابداع اذن تعني فضاءات عديدة، ويعني ان هناك تطوراً تراكمياً، وتطوراً كيفياً وطبيعياً.

لكن علينا الاقرار بأن الاشجار المقطوعة من جذورها، لا تنبت اغصانا، حتى لو كانت راسخة، فأنها ستنزاح امام حركة بذور القمح البسيطة التي تخترق بعضها اكوام التراب فوقها، ثم تغدو سنابل، ثم تتجمع في اهرام هائلة. لذلك اجد ان الابداع كلمة صعبة المراس، في ظل الفوضى التي تعم الوطن!

لقد كان المبدعون العراقيون في سنوات الثلاثينات وحتى الى عهد قريب، قبل ان يغزو الجهل الامكنة وثنايا الحياة في فروع الثقافة والصناعة والفنون الاخرى، يدركون ان الإبداع هو فن الاكتشاف، اكتشاف الذات. فالمبدعون الحقيقيون، يتمردون على انفسهم، ويثورون كي يأتوا بجديد، مثمر للوطن والشعب. وصدق من قال ان المبدع يعزف على لحن خاص به،وهو الذي يختار السير في طريق لا يسلكه الآخرون إلا نادرا.

قولوا معي: يا رب ابعث لنا من يعيد اخضرار الابداع لصحراء اخذت بالاتساع في ارض العراق.. مع الاسف!