نكبة الإعلام في العراق

ليست نكبة العراق المتصاعدة والمستمرة في خطاب وسائل الإعلام وحدها، العراق برمته تجسيد بامتياز للمحنة! الفشل السياسي والتخلف الاجتماعي صورتان معبرتان لبلد صار كل شيء فيه ملتبسا، فيما يدرك الجمهور بوضوح هذا الالتباس وأن محاولات العراقيين الجادة -إن وجدت أصلا- للتغيير قد ذهبت أدراج الرياح.

قد يختصر الإعلام المحن المتشابكة على البلاد، في نكبته نفسها، فهو تجسيد معبر عن الرثاثة القائمة منذ صعود أحزاب الإسلام السياسي والمسعى المتواصل إلى تحويل البلاد إلى مرقد تاريخي يندفع إليه الناس متشبثين بالخرافة، الخرافة التي أضحت حقيقة بمواصفات كاذبة.

لماذا يريد الإعلام العراقي اليوم أن يكون معبرا عن تلك الخرافة ويجسد الأكاذيب بوصفها الحقيقة الوحيدة. ولماذا قبلَ أن يكون خاضعا بعد أن منح شيئا من الحرية المفترضة؟

ليس صعبا الحصول على حزمة إجابات على هذه الأسئلة، لكن المشكلة تكمن في طبيعة قبول الإعلام بأن يكون هامشا لخطاب التخلف الديني، وأن يطلق الأسئلة العرجاء على سياسيين فاسدين، فيما يغيّب عن تملق أو خوف الأسئلة التي ينتظرها الجمهور.

الإعلام في العراق يقرأ المشهد بعين مماثلة لما يصرح به لوردات القتل، ويسبغ على الميليشيات الطائفية مواصفات وطنية عالية، ويقبل الظهور في صورة للذكرى مع القتلة باعتبارهم محررين!

المأزق الأكبر في نكبة الإعلام العراقي تراجعه المعيب عن كشف حقيقة الحكومة الافتراضية، واعتبارها مصدر قرار، فيما الواقع الملموس يقول غير ذلك مجسدا بأصوات العراقيين المستاءة والرافضة.

منذ أن صفق مهللا بالهتاف ما كان يسمى بـ”الصحافي” العراقي، أمام إعلان بول بريمر عن القبض على الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، إلى درجة دفعت الحاكم الأميركي للعراق نفسه إلى أن يهدئ من روع ذلك “الصحافي” بيديه! وحتى قيام “صحافي” آخر برمي الرئيس الأميركي جورج بوش بالحذاء “أكان شاهدا أم مشاركا في الحدث!”، فإن السؤال مازال يتكرر عما إذا كان ثمة أمل في مستقبل إعلامي وسط غياب الأمل السياسي وشيوع الرثاثة الدينية والاجتماعية.

صحافي وكاتب على درجة من الأهمية يحلل كيف أن الثقافة العراقية انطلقت بعد عام 2003 معتبرا سنة احتلال العراق مفصلا ثقافيا!!

صحافي يمتلك خبرة أكثر من ربع قرن، يقبل على نفسه بأن يكون هامشا لرجل دين معمم، من أجل تمرير خطابه لإشاعة التخلف، ورفض النظر للمستقبل.

لنتأمل ما حدث بعد احتلال داعش لمدينة الموصل عندما ارتكب محاور تلفزيوني في قناة عراقية، ما يوصف بأنه أسوأ ما في الخلط الشنيع بين الديني والإعلامي، وهو يجري حوارا مع عسكري مهزوم، مبتهجا ومتحمسا بأنهما معا، المُحاوِر والمُحاوَر، تحت القَسَم في محاولة لدفع مصداقية ما ينقله للجمهور عبرالرادع الديني!!

لنا أن نجمع بعدها مئات القصص المشابهة من الصحف والتلفزيونات العراقية لصور مشينة يجسدها إعلام عراقي سقط في ضحالة السياسي والديني.

إن مثل هؤلاء “الصحافيين” يعملون من أجل زيادة الانقسام الذي يدفع به سياسيو الأحزاب الدينية والطائفية في العراق.

وأخيرا غاب الأمل تماما عندما لم يعتبر الإعلام العراقي المراسل الشجاع علي أركادي، أنموذجا مثاليا يقتدى به في المجازفة الصحافية بعد أن كشف الانتهاكات المريعة للقوات الحكومية والميليشيات الطائفية في تعذيب واغتصاب المدنيين في الموصل.

بدلا من أن يحتفي الإعلام العراقي بعلي الشجاع المجازف، شُرّد وأسرته من العراق، فكان موضع احتفاء دولي بمنحه الأسبوع الماضي جائزة بايو، أكبر جائزة فرنسية لمراسلي الحرب، تقديرا للصور الصادمة التي كشفها للعالم عن جريمة الانتهاكات في الموصل، إلى درجة دفعت جيريمي بوين كبير مراسلي “بي بي سي” في الشرق الأوسط إلى القول “إنها أكثر الصور الشريرة والمزعجة التي شاهدتها في حياتي”.

عندما وقف مارك نيكول مراسل صحيفة ميل أون صنداي البريطانية في شمال العراق متباهيا بحمل بندقية عنصر من داعش بعد مقتله، ومتخذا من الصورة شاهدا فوتوغرافيا على قصته الإخبارية “الإرهاب على نهر دجلة”. تحولت فعلته إلى وصمة مشينة ليس بنظر قراء ميل أون صنداي وحدهم بل بين المراسلين والصحافيين أنفسهم.

انتشرت الصورة بشكل مثير بين المراسلين الأجانب بعد نشرها في الصحيفة البريطانية الشعبية واسعة الانتشار، مثيرة الجدل المعهود عمّا إذا كان الصحافي شاهدا محايدا أم جزءا من الحرب الدائرة؟ الأمر الذي دفع هيئة تحرير الصحيفة لاحقا إلى إزالتها من الموقع بعد أن شعرت بأنها غير مناسبة، مبدية غضبها من نيكول لأنه لم يرسل لإدارة التحرير غير تلك الصورة!

يتساءل كاتب وصحافي عراقي مرموق عمّا إذا كان كل ما يُكتب ويُنشر معبرا حقيقيا عن طبيعة المشهد، وهل حقا يكتب عراقيون ذلك عن قناعة واتساق بين ما يعيشونه وبين ما يريدون تقديمه للقراء؟

أشك في ذلك! إمّا لأن الكاتب سقط في وهم الخطاب السائد وطبيعته، وإمّا لأنه يكتب وفق مصالح أنانية ضيقة ومعيبة!

منذ أن أدارت وسائل الإعلام في العراق ظهرها للمجتمع من أجل أنانية طائفية أو سياسية أو تجارية، واكتفت بفكرة ليس ثمة ما يمكن أن تتعلمه، فإنها قتلت الفرصة الممنوحة لها بالمشاركة في إخراج وطن من محنة سببها السياسيون ورجال الدين.

لقد قامت الغالبية العظمى من وسائل الإعلام العراقية بتشويه الحقيقة ومنع اختيار المجتمع العراقي لخطابه وتنظيم نفسه في ديمقراطية جديدة من الأفكار والمعلومات، وتغيير مفاهيم السلطة، وإطلاق الإبداع الفردي، ومقاومة خنق حرية التعبير.

إذا كان ذلك ما فعلته وسائل الإعلام في العراق منذ عام 2003، فلنا إلا أن نتأسى كثيرا على ما ارتكبه السياسيون ورجال الدين من انتهاكات وجرائم كبرى!

الحقيقة التي غيّبت في العراق، إن الفشل يحاصر البلاد ووسائل الإعلام كالأحزاب الحاكمة شريكة في صناعة الفشل والاحتفاء بسوق الغبار والمقابر.