زيدان وعرابي: منهج نفي الواقعة لتفكيك الرواية التاريخية

في هذه المرة التي تحدث فيها د.يوسف زيدان عن أحمد عرابي، حرصت -بعد جولتين سابقتين من الاشتباك مع ما يطرح- على عدم الاندفاع للرد عليه سريعا، وتمهلت محاولا البحث عن "نمط منهجي" يستخدمه زيدان في مقاربته العلمية في الإعلام، فعدت إلى موضوع الإسراء والمسجد الأقصي وموضوع صلاح الدين، لأكتشف بهدوء المنهج العلمي الذي يستخدمه زيدان في الإعلام لتفجير القضايا وصدم الناس.

منهج "نفي الواقعة لتفكيك الرواية"

وهو ما سأسميه منهج "نفي الواقعة لتفكيك الرواية"، حيث يقوم زيدان بالمبادرة بصدم الجمهور بنفي واقعة ما (عادة ما تكون مشهورة ومستقر عليها في يقين الناس)، هذا النفي يكون تكأة ليفكك ويشكك في رواية أو قصة أو حدث تاريخي كبير مستقر عليها أيضا في الذات الجمعية المصرية أو العربية أو الشرقية أو المسلمة! فالأمر أن زيدان لو اتجه مباشرة لتفكيك الرواية التاريخية بشكل علمي وهادئ، وكأنه يعرض وجهة نظر كبقية أهل العلم، لما التفت له أحد.

لكن منهج زيدان الإعلامي يقوم على هذين الشقين: 1- نفي الواقعة، 2- لتفكيك الرواية. وهو ما فعله في نفيه لواقعة الإسراء إلى فلسطين، ليفكك ارتباط الناس بالمسجد الأقصى والقدس (ومن بعده بطولة صلاح الدين محرر القدس)، وهو المنهج نفسه الذي يستخدمه في مقاربة "الثورة العرابية" وزعيمها أحمد عرابي، ، فيبدأ باختيار واقعة معروفة ومشهورة وهي المواجهة بين عرابي وخديوي مصر، ويشكك في حدوثها، ثم ينطلق للتشكيك في الرواية كلها والدور الذي قام به عرابي إجمالا وفكرة البطولة ورفض الظلم واحتكار السلطة.

سهولة الرد العلمي على منهج زيدان

وعلى المستوى العلمي يسهل الرد على هذا المنهج، برفض قدرة واقعة بعينها على تفكيك رواية تاريخية بأكملها، ويتم الرجوع لعدد من المصادر التي تؤكد الواقعة في صورتها المستقرة عليها، وتبيان غواية وضعف مصادر التشكيك في الواقعة إن وجدت مثل هذه المصادر! ثم يتم الانتقال للرواية التاريخية نفسها ووضعها في سياقها التاريخي، أو محاسبتها وفق منظومة القيم والمعايير السائدة حينها، وهذا هو حجر الزاوية في دحض المنهج الاجتزائي أو منهج التفكيك ومنهج انتقاء التفاصيل الذي يستخدمه بعض العلماء أمثال د.زيدان. وهو منهج مشهور عند الكثير من المستشرقين في مقاربة تاريخ المسلمين وإثارة الشبهات حوله، لكن زيدان طوره إعلاميا، ليتحول من منهج علمي وخطاب مكتوب بحت، إلى وسيلة إعلامية لصدم الناس وانتقل بالخطاب من الكتب والدراسات، إلى المواجهة المباشرة مع الناس.

تطبيق منهج الرد في حالة عرابي

عجز الواقعة وإثبات السياق التاريخ

وفي هذه المرة في حديثه عن "واقعة المواجهة" بين عرابي وخديوي مصر (سليل أسرة محمد علي الذي قضى على كل القوى الثورية الوطنية التي أوصلته لعرش مصر بعد الثورة على الفرنسيس) سوف نجد عشرات المراجع والمصادر التي تؤكد الواقعة. وهنا سيكون تعريف المصدر بأنه الكتاب التي ذكر الحادثة مباشرة وتعرض لها، وسيكون تعريف المرجع بأنه الكتاب الذي بحث صاحبه في الأمر وأكد على الواقعة.

أما المهم فسيكون إثبات السياق التاريخي لرواية الثورة العرابية، في مواجهة اقتطاع الثورة من سياقها والمفاهيم والقيم التي كانت سائدة في حينه، وتلك مشكلة زيدان أصلا الذى أزمته الحقيقية في علاقته مع سياقه العربي، واستلابه لسياقات أخري..بما يجعله يسقط ذلك على تصوراته ويجعله يكرر الأخطاء نفسها.

سياق الثورة العرابية

سنبدأ هنا بالحجج التي استعرضها زيدان لتشويه عرابي وتفكيك الرواية التاريخية المستقر عليها للثورة، وهي كما وردت في ادعاءاته التالية من نص الحوار الإعلامي: دخلنا في استعمار 70 سنة- لا يملك مخابرات عسكرية- لا يملك أي شيء- عايز يحكم، وسوف نفندها كالتالي:

استعمار 70 سنة!

يتجاهل د.زيدان المفترض أنه فيلسوفا متخصصا في الفلسفة الكليات والأفكار والظواهر الحضارية، أنماط الصراع والسيادة الحضارية التي كانت سائدة في العالم إبان خروج عرابي ومن معه، في تلك الفترة من عمر التاريخ كانت أوربا قد وصلت لذروة دورتها الحضارية بانتقالها من بناء الذات، إلى مرحلة التوسع الخارجي على حساب الآخر ودفعه للوراء، فتم احتلال معظم دول العالم من قبل الدول الأوربية، التي كانت تتنازع وتتسابق في الاستيلاء على الأراضي والخامات وبناء المستوطنات وفرض النفوذ ومد القواعد العسكرية، فغزت أوربا الأمريكتين والقارة الإفريقية وأسيا واستراليا.

ولم تكن معظم الدول العربية المحورية والأماكن ذات الأهمية الاستراتيجية فيها بعيدة عن التوسع الأوربي في دورته الحضارية تلك، فتم احتلال مصر قبل ثورة عرابي من الفرنسيس، وحاول الانجليز المزاحمة عبر حملة فريز قبل استقرار الأمر لمحمد علي، الذي حاصرت أوربا تمدده وأجبرته على العودة لحدوده، ثم سرعان ما احتل الانجليز مصر إبان أحداث الثورة العرابية بعد محاولتهم الأولي.. وفي إشارة هامة هنا، والربط بين خروج الفرنسيس والانجليز من مصر، سنجد أن المصريون قاموا بثورة على الفرنسيس قبل تولي محمد علي السلطة، وكذلك تم الجلاء بعد خروج آخر سلالة محمد علي وثورة 52 العسكرية، والمهم أن الجلاء الأخير تم أيضا في سياق مرحلة التحرر الوطني الكبري التي سادت دول العالم القديم في القرن العشرين.

وبيت القصيد أن احتلال الانجليز لمصر كان في سياق دورة التوسع الحضاري الأوربي وتمدده لكل دول العالم، ولم يكن عرابي وثورته سوى محاولة لكسر نمط احتكار السلطة من قبل نظام خلفاء أسرة محمد علي، والمطالبة بمجموعة من المطالب العادلة التي يحق المطالبة بها في كل زمان ومكان.

لا يملك مخابرات عسكرية

أما موضوع أنه لا يملك مخابرات عسكرية! فكيف تتوقع من مؤسسة عسكرية مصرية وليدة في تلك الظروف التاريخية خضعت لشروط وإملاءات ادول الأوربية في عهد محمد علي التوسعي، أن تملك قدرات استخبارية تحيط بالإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس (بريطانيا)! ومهما كانت القدرات والآمال والعزيمة فإن الخيانة كانت حاضرة والقصر كان هدفه الأساسي –كعادة أي سلطة- البقاء في الحكم بأي ثمن كان حتى الخيانة والتعامل مع الاحتلال وقبوله.

عايز يحكم، ولا يملك شيئا!

وهو منطق شديد الغرابة! أليس من المفترض من الشخص الذي يطالب بإصلاح طريقة الحكم، أن يكون لديه البديل وتصورا للحكم!! وأليس من المفترض من قائد ثورة أن يتكلم باسمها ويطرح مطالبه على الحكم. يلجأ زيدان هنا لطريقة غوغائية في تشويه عرابي، بعد أن مهد لنفسه باسم العلم ونفي الوقائع والتشكيك في الرواية التاريخية.

خاتمة

في ثنايا خطاب زيدان مغازلة ما للسطلة الحالية في البلاد؛ هو يلمح لوجود متطلبات ما لفكرة الثورة، لا يملكها في مصر سوى نظام آخر متخيل عنده مخابرات ومؤسسات! ولكنه في الوقت نفسه يضرب في تاريخ العسكرية المصرية ومصدر افتخارها الروحي ممثلا في عرابي! وهذه هي معادلة التناقضات الأبدية التي يلعب عليها دعاة الحداثة وما بعدها، لتفكيك تاريخ الصمود والمقاومة والحلم عند الذات العربية بوصفها الذات القاصرة والعاجزة والخالية من أي احتمالات ذاتية كامنة للتقدم، لكن إلى متى ستظل قدرتهم على المراوغة وتقديم أنفسهم لأداء أدوار معينة دون التعرض للنيران الصديقة أو المعادية! أعتقد أن مثل هذه المحاولات للعلب على التناقضات واستخدام مناهج الاجتزاء والتشويه، سوف تؤدي لنتيجة عكسية وهي ظهور تمثلات وحركات شعبية ومعرفية لكشفها والرد عليها.