السودان ومصر، إلى أين، سيصل كل منا على حده!

في البعثة العلمية الأخيرة للصين لدراسة "آليات التراث الثقافي غير المادي" والتعرف على التجربة الصينية، وضمن وفد ممثل عن وزارة الثقافة المصرية، التقيت صحبة رائعة من الإخوة السودانيين وهم د.قذافي، أ.عبدالحي، أ.مجدي، أ.سيف، وقضينا معا وقتا من أجمل الأوقات وأبهجها والذكريات الجميلة.

لكنني بخبرتي الطويلة في العمل العام، لاحظت أن هناك الكثير تحت السطح عند د.القذافي، وباستمرار النقاش الذي كان يتحول لجدال طويل لعدة ساعات أحيانا، اكتشفت أن د.القذافي يختلف عن بقية أعضاء الوفد السوداني الشقيق المنتمين بفطرتهم لنسيج العلاقة التاريخية بين البلدين والشعبين. كان د.القذافي أقرب للنخبة الثقافية المتداخلة مع طبقة الحكم والساسة السودانيين حاليا، وهي النخبة التي أصبحت متشبعة ومشحونة بمفاهيم التدافع والصراع والتنافس الحضاري مع مصر.

لم أيأس طوال مدة البعثة من محاولة رأب الصدع مع د.القذافي؛ واستمعت إلى وجهة نظره كاملة، على المستوي التاريخي والسياسي، حيث يرى ضرورة الفصل والتأكيد على التدافع أو التنافس – كما كان يسميه - بين مصر والسودان، وخلاصة وجهة نظره التي يبدو أنها تمثل النخبة الحاكمة في السودان الآن، أنه كان هناك تمايزا تاريخيا بين الحضارة المصرية والحضارة السودانية، بما يحمل الكثير من سمات الاختلاف أكثر من السمات المشتركة! وعلى المستوى السياسي يرى د.القذافي أن فترة انسحاب الوجود المصري من أفريقيا في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، هي التي خلقت روح التنافس والتعالي من الجانب المصري، بما جعل الموقف السوداني طبيعيا في المواجهة.

ورغم أنني في نقاشي معه عن العلاقة بين الحضارة المصرية وحضارة السودان، لم أجد منطقا حقيقيا لخلق التأسيس التاريخي للصراع، إلا أنني وصلت إلى قناعة ان هناك شعورا مستقرا لديه بوجود نوع من التعالي المصري تجاه السودان، يعود لفترة انسحاب مصر من دورها التاريخي في المنطقة وتآكل الشخصية المصرية التاريخية في عهد الرئيس الأسبق، بما جعل المكانة التاريخية تتآكل أيضا. وما كان يحدث ويتم بروح المحبة وعلاقة المركز القوي بأطرافه المُحبة "العضوية"، لم يعد مقبولا حين تخلت مصر عن التزاماتها التاريخية في عهد سابق.

وحاولت بشتى الطرق مجددا رأب الصدع، وتقديم اعتذار شخصي -بصفتي حاتم الجوهري وفقط- عن أي نوع سابق من التعالي، لكن يبدو أن بنية السياسة السودانية الحديثة في توجهها العام، تؤكد على تلك العلاقة مع مصر.. فعجزت! ويبدو أن الأمر أصبح في حاجة لبذل جهودا مضاعفة لربط وإعادة بناء ما تفكك من قبل.

لكن هناك سؤال عجز د.القذافي عن الرد عليه، رغم كل هذا الشحن المسبق، واتخاذ النزاع الحدودي ستارا، حين سألته إلي أي حد سيذهب السودان في علاقته بالعالم بعيدا عن مصر، وإلى أي حد ستذهب مصر بعيدا عن حاضنتها التاريخية. هنا سكت د.القذافي وبدأ في مراجعة نفسه كثيرا دون أن يتحدث، وها أنا ذا أكررها هنا، كل منطقة في العالم لها طبيعة خاصة، وكل كتلة حضارية في العالم لها معادلة تفوق ما، الحاضنة التاريخية للمنطقة العربية كانت تقوم علي حضور مصري، يعي خطورة دوره والتزاماته تجاه حاضنته. فإلى أي حد سيذهب كل منا منفردا يا صديقي العزيز!

وهنا يجب أن تأخذ مصر بالمبادرة؛ لتعيد وصل ما انقطع وتشرح وجهة نظرها مرارا وتكرارا، وتؤكد على موقفها وتفهمها لما سبق، ويجب أن نقدم رؤية للمستقبل تقوم على استعادة مصر لالتزاماتها التاريخية، وفي الوقت نفسه لابد من الصراحة مع النفس، كل حضارة لها مقياس مهم في معرفة قوة لُحمتها ونسيجها الداخلي، وهو علاقة "النمط المركز" بـ "الأنماط الفرعية"، ومدى تفهم المركز الحضاري لتنوع حاضنته التاريخية واحترام خصوصيتها، وعدم تعالي المركز على الأطراف أبدا.

مكانة مصر لم تهتز سوى عندما انسحبت الدبلوماسية المصرية ومشروعها الحضاري والسياسي إلى داخل حدودها وقبلت بالوجود الفردي في العالم، وهنا يحق لكل الأطراف التي تنتمي لحاضنة المركز التاريخية، أن تتمرد، لأن المركز فقد هويته وسماته المُميِّزة. لذا فالمبادرة تقف الآن في ملعبنا المصري لإعادة شرح وجهة نظرنا وموقفنا من القضايا العالقة مع الجانب السوداني، ووضع خطة عامة للبلاد تعيدها لدورها التاريخي وحاضنتها الطبيعية.

وأكررها إلى أي حد سيذهب المركز منفردا، وإلى أي حد ستذهب الأطراف منفردة؟

وتظل المبادرة المصرية، ضرورة والتزاما ومحبة وشرطا.

وختاما تحية محبة لرفاق البعثة العلمية للصين من السودان.. الأرض والنيل والأشقاء والمصير والأمل.