الاعتبار والشرعية على الطريقة الايرانية

بعد صمت وتجاهل طويل وملفت للنظر لإيران بشأن ما صار ينشر ويقال ويصدر من قرارات وتصريحات عن مجزرة صيف عام 1988، التي تم خلالها تنفيذ أحكام الاعدام بأكثر من 30 ألف سجين سياسي كان الكثير منهم قد أنهى فترة محكومياته خلال فترة لم تتعد الثلاثة أشهر، وبعد أن سعت طهران عن طرق لوبيها في فرنسا خصوصا واوروبا عموما من وقف نشاطات المعارضة الايرانية بشأن التركيز على تلك المجزرة والسعي من أجل قوننتها وتدويلها. فقد خرجت وزارة الخارجية الايرانية عن صمتها بعد التقرير الاخير الذي نشرته المقررة الاممية لملف حقوق الانسان في إيران بشأن مجزرة السجناء السياسيين في عام 1988، حيث وصف المتحدث بإسم وزارة الخارجية الايرانية بهرام قاسمي يوم الخميس الماضي 27 أكتوبر2017 تقريرالمقررة الاممية عاصمة جهانغير بأنه تقريرمغرض وقال بأن التقرير فاقد الإعتبار والشرعية.

هذا هو الرد الرسمي الايراني، يتحدث عن فقدان التقرير للإعتبار والشرعية. لكن أحد المرتكزات الاساسية التي يقوم عليها هذا التقرير (الى جانب مرتكزات قانونية وثبوتية عديدة أخرى)، هو التسجيل الصوتي لآية الله منتظري نائب الخميني حينها عندما إجتمع بلجنة الموت التي كانت تقوم بتنفيذ تلك المجزرة حيث أدانها وخاطبهم بأنها أكبر جريمة في تاريخ الجمهورية الاسلامية وإن التاريخ سيذكر الخميني بصفة مجرم دموي وتفاصيل صادمة أخرى تثبت مدى افتقاد العاملين القانوني والانساني في تنفيذ تلك الاعدامات، علما بأن أبن آية الله منتظري الذي كان قد نشر قبل قرابة سنة ذلك التسجيل قد تعرض للمسائلة والمحاكمة والسجن!

تقرير جهانغير، الذي يضم مرتكزات أخرى منها شهادات ناجين من المجزرة وشهادة عوائل الضحايا وأدلة ومستمسكات دامغة حصلت عليها المعارضة الايرانية من داخل إيران، ليس من الصعب وانما من المستحيل على إيران دحضه وتفنيده خصوصا وإن السيدة جهانغير كان سبق وان تحدت السلطات الايرانية في حديث إذاعي لها مع البي بي سي بأن يثبتوا زيف أو كذب كلمة واحدة من كلمات تقريرها بشأن تلك المجزرة، إذ أن هذه المجزرة تحتوي على كل الاركان المكونة لجريمة ضد الانسانية وبامتياز.

ما يقلق طهران كثيرا، هو إن جهانغير التي دعت في تقريرها هذا الى إجراء تحقيق شامل ومستقل لتقديم آمري ومنفذي المجزرة الى العدالة. وقد إشتمل تقريرها على محاور تٶكد سعي حثيث من أجل تقديم المتورطين في تلك الجريمة الى العدالة، وهذه المحاور هي:

أولا: الدعوة إلى إجراء تحقيق شامل ومستقل لتقديم آمري ومنفذي المجزرة للعدالة.

ثانيا: إشارة إلى فتوى خميني الإجرامي بإعتباره وثيقة مؤكدة.

ثالثا: أشار تقرير المقررة للأمم المتحدة إلى دفن جثث الشهداء سرا في مقابر جماعية مجهولة.

رابعا: تسجيل مجزرة العام 1988 وتوثيقها في مادة 73 في تقريرالمقررة للأمم المتحدة.

خامسا: إشارة إلى اخفاق متابعات مقرر الأمم المتحدة الأسبق غاليندوبل لإجراء تحقيق بشأن المجزرة في يناير1989.

سادسا: إشارة المقررة للأمم المتحدة إلى تسجيل صوتي للسيد منتظري المنشور بصفته وثيقة دامغة أخرى بشأن مجزرة العام 1988.

وبعد كل هذا، فإن المتحدث بإسم وزارة الخارجية الايرانية عندما يسعى لتكذيب تقرير عاصمة جهانغيري الذي يسير بخطى حثيثة نحو جعل هذه المجزرة أحد المواضيع المطروحة في إجتماع ديسمبر المقبل للجمعية العامة للأمم المتحدة، ويتحدث عن الاعتبار والشرعية، فإن عليه أن يقدم الادلة والمستمسكات على ذلك، وقطعا من المستحيل فعل ذلك، وإلا فإن مايتحدث عنه هو مجرد تدبيج لكلمات وعبارات لا قيمة لها على وجه الاطلاق.