سعد الحريري والفضيلة

اخيرا استطاع الرئيس سعد الحريري الخروج من النموذج التشبيهي للدولة الذي وجد نفسه فيه لا لون له غير اللون الأسود ولا طعم له سوى العلقم.

فقد استقال الرئيس الحريري بعد ان وجد نفسه في تناقض رئيسي بين الضدين تماما، فأما ان يقبل بان يكون ضلعا من اضلاع حصان طروادة الذي بنته ايران لاقتحام الوطن العربي، أو ان يواجه واقعا بصدره العاري ويرفض تركيع تاريخه وحاضره والشعب اللبناني لمصلحة المشروع الفارسي الاسود. اختار الرئيس ان يكون لبنانيا عربيا وابن الشهيد رفيق الحريري.

لقد وجد نفسه مرهونا بمعادلات معقدة وتعجيزات مأجورة ليعطي لبنان المرهون للشيطان شكل الدولة. فخرج من المزرعة وقال ما عنده بصدق ودون مواربة بعد أن رأى أن ثمن بقاءه كرئيس وزراء أغلى من كل المناصب التي يمكن ان يتسمى بها وأغلى من الهدوء المؤقت الذي سيعيشه لبنان بوجوده.. فقد كان مصيره لو استمر مجرد شاهد زور في حكومة يرأسها فعليا الولي الفقيه وينطق باسمها صبي الضاحية الجنوبية ومطلوب منه فقط البصم بالاصابع العشرة.

لقد تفوق الرئيس الحريري على نفسه وكانت شجاعته في وقتها ومكانتها حين استقال. كان اكبر من كل المزايدين عليه حين خطط ان تكون استقالته من الرياض العاصمة السعودية التي حقا لنا ان نسميها ام العواصم العربية. فالخطوة كانت اعترافا منه بان الهم اللبناني هو هم عربي ايضا واستقالته هي صرخة الشعب لبناني طلبا للعودة الى الحضن العربي الدافئ والراعي دوما لمصالح الشعب اللبناني كما اي شعب عربي اخر.

لقد استرجع الرئيس الحريري كيفيه تحول الشعب اللبناني من شعب في الطليعة في العلم والادب والفن الى شعب مرهون بكامله لمشروع التفريس والتخريب من خلال الذراع المأجور حزب الله الذي فرض امرا واقعا وقحا تغول فيه حزب الله على الدولة وعلى المحيط العربي وبقوة السلاح الايراني الذي ابعد ما يكون سلاح مقاومة.

لقد انتفض الرئيس الحريري ووضع كل المأزومين في ورطه وأزال عنهم الغشاوة والخجل بعد ان فقد الامل بأن بقاءه في الدائرة الحاكمة سيكون له اي أثر في بقاء لبنان والمحافظة على استقلاله وكرامته، خاصة وأن رئيس الجمهورية عون هو صنيعة حزب الله وربيبه منذ ان كشف حزب الله شبق الجنرال بالرئاسة فصنع له الموكب الخشبي واجلسه "شاهد ماشفش حاجة" على العرش الجمهوري.

ان على لبنان الشعب والحكومة ان تختار الان ايضا ما بين السير كخراف المذبح الى مطاحن الولي الفقيه في ملحمة الثأر من النفس قبل الغير، او تعود لنفسها ومجدها ولبنانيتها وعروبتها بعد ان تعيش واقعها الاسود الذي يعتليه زعران الضاحية الجنوبية لتلفظهم خارج المعادلة اللبنانية وتنطلق نحو المستقبل.