عدسة كوبيرن الصحافية غير رؤية ماثيو للعالم العربي

أعاد حوار الكاتب المخضرم باتريك كوبيرن مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في صحيفة الإندبندنت البريطانية هذا الأسبوع، تكرار الأسئلة المكررة عن عدسة السائح الملتصقة بعين الصحافي الغربي عندما يتعلق الأمر بالعالم العربي.

كوبيرن عجوز مَهَرَ الصحافة وتجول بين بلداننا ونشر أكثر من كتاب عن ساستنا وتاريخ الحروب الملتبس، لكنه لسوء الحظ مازال مثل الغالبية العظمى من الصحافيين الغربيين، لا يستطيعون إكمال الأسئلة الناقصة، ويقبلون بإجابات “ساستنا المفترضون” على هزالتها، فيما تبقى الأسئلة الحقيقية معلقة في الهواء وفي صدور الجمهور.

ضحية هذا النقص في أسئلة غير مكتملة، الجمهور الغربي الذي لم تكتمل لديه الصورة السياسية ولو بشكلها الأعم عما يجري في بلدان الشمس الساطعة، فما قدمه باتريك كوبيرن في حوار العبادي الذي يعد الأكثر طلبا هذه الأيام، مجرد انتظار إجابات والتوقف عن صناعة الأسئلة، لقد غابت الحقيقة في كل ما قاله العبادي وبقيت الرثاثة السياسية المستمرة والمتصاعدة في العراق وكأنها نوع من الانتصار.

بالنسبة لكوبيرن الأحزاب الإسلامية حل وليست أساس المشكلة المتفاقمة، كذلك يتحدث عن حزب الدعوة الإسلامي في تقديم العبادي، بينما التجربة كشفت أن ربع قرن قضاها العبادي في بريطانيا لم تستطع أن تغير طريقة تفكيره الذي بقي أسير أجواء الحسينية التي ارتادها صغيرا، فالذي كان ينظر له إصلاحيا ارتد طائفيا بدشداشته السوداء وهو يساير الجموع الحائرة والضائعة في لجة سؤال الخرافة التاريخية!

ونفى العبادي في إجابته عن الحشد الشعبي أن يكون لقاسم سليماني أو إيران أي دور في إدارة هذا الحشد، بينما بقيت الأسئلة معلقة على مثل هذه الإجابة الواهنة ولم يبادر كوبيرن الصحافي المحترف بإطلاقها.

الواقع أن المشكلة الصحافية لا تكمن في إجابات العبادي وحدها، بل في الفكرة التي يكوّنها المراسل الغربي عما يحدث في أرض العرب، هناك جهل حقيقي يصل غالبا إلى حد الكارثة في ما يكتب عن أحداث العراق وسوريا وليبيا واليمن، فضلا عن إيران في الصحافة الغربية.

يحاول الدبلوماسي البريطاني إدوين سموأل، المتحدث باسم الحكومة البريطانية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سد نوع من هذا الفراغ المريع بحكم قدرته على التكلم باللغة العربية والعمل من داخل المنطقة العربية، لكنه وفق التقويم المفرط بالتفاؤل لا يستطيع مغادرة دوره كموظف في الحكومة البريطانية.

تسنى لي أن أطلق حزمة تساؤلات على دبلوماسي أميركي على درجة وظيفية مرموقة، بعد أن شعرت أنه يعي كما ينبغي تفاصيل المشهد السياسي الملتبس في عالمنا العربي.

تحدث لي هذا الدبلوماسي عن ليبيا التي يصعب فهمها بطريقة كمن خَبرَ صحراءها الشاسعة، ليس لأنه قرأ أدب إبراهيم الكوني، بل لأنه فهم الوضع المرتبك هناك، وكيف كان الغرب سببا في ذلك، ولم يكن كل الذي جرى حلا، مثلما حصل في العراق.

قلت له هل يتسنى لي أن أجد الكثير مثلك على قدر من الفهم للواقع العربي في وزارة الخارجية الأميركية، وهل تتوقع أن يكون الصحافيون -على الأقل من تخصص منهم في شؤون الشرق الأوسط- على هذا القدر من الفهم!

ولأنه كأي دبلوماسي آخر لا يفترض أن يبوح بالإجابة كاملة، اختصر الكلام بـ”ليس كثيرا!”.

لا تتفاءل كثيرا، هكذا قال، لأن العملية معقدة أكثر مما ينبغي في وزارة الخارجية الأميركية، فأنا أمتلك رأيا وتحليلا للوضع في بلادكم القلقة، وهناك أمامي سلسلة من الموظفين قبل أن يصل ما أعرضه إلى وزير الخارجية، ولك أن تتوقع بعدها إن كان سيصل للرئيس الأميركي أم لا.

بالنسبة للصحافة الأميركية ربما يكون الأمر أسهل في إيصال الفكرة للقارئ، لكنه يعتمد على فهم نوعية ما يكتبه المراسل وطبيعة خطاب الصحيفة.

الجهل بما يحدث في العالم العربي بالنسبة للصحافة الغربية لن ينتهي بحوار باتريك كوبيرن مع رئيس الوزراء العراقي، إنها سلسلة متواصلة لسوء الحظ لن يقطعها تلاشي المسافات الطبيعية بالتواصل الرقمي. فحتى هذا ليس كافيا كي يولّد الإعلاميون في الغرب فكرة صحيحة عن العالم العربي.

مازالت الفكرة ناقصة، وتأتي دائما متأخرة، وغير جديرة بالوفاء، وغالبا ما تحدث ضررا، مثل الضرر الذي سيولده حوار كوبيرن مع العبادي لدى قراء الإندبندنت.

سبق وأن كتب ماثيو باريس في صحيفة التايمز البريطانية ما يشبه الاعتراف عن جهل الغرب السياسي والإعلامي بالعالم العربي، لو تسنى لأي من صحافيي وسياسيي بريطانيا أو الولايات المتحدة الاطلاع على مقاله، لكان درسا لا ينسى بالنسبة إليهم.

تساءل ماثيو الذي يعد مع ما يكتبه سايمون جينكينز في الغارديان، أفضل من يقدما صورة للقارئ البريطاني عن الواقع العربي: لماذا نحن البريطانيون نتشوق إلى أسطورة لورانس العرب، ونعتقد أننا قادرون أن نعطي لحلفائنا حكمة خاصة وخبرة في المنطقة؟ مثل هذا السؤال التهكمي يجد له ماثيو إجابة مؤذية بالقول بعد أكثر من عقد من احتلال العراق، لنعترف بأننا أضعنا الطريق إلى الشرق الأوسط، في سياستنا الخارجية والعسكرية.

فاحتلال العراق لم يجلب الديمقراطية لهذا البلد كما زعم “سياسيونا وصحافتنا” بل أسفر وفق ماثيو باريس عن دولة فاشلة، لا تزال تمزقها النزاعات الطائفية.

ويستمر بالتساؤل في مقاله بصحيفة التايمز “أي أدلة يقدمها لنا التاريخ من فلسطين والسويس وبلاد فارس والعراق وليبيا وسوريا… وانتوني ايدن وديفيد أوين وصديقه الشاه وبلير وكاميرون؟ غير أننا نواصل التخبط”.

لسوء حظنا أننا لا نجد الكثير من الكتاب والمراسلين في الصحافة الغربية مثل ماثيو باريس وسايمون جينكينز، لنبرر خيبتنا بالمراسلين الآخرين!