الكاتب الكبير عند وكالة رويترز

اختارت وكالة رويترز السقوط في أسهل امتحان لأساسيات الصحافة، عندما أطلقت وصف “الكبير” على كاتب سعودي بعد الإشارة إلى ما كتبه من ثناء على حملة مكافحة الكسب غير المشروع في مقال بصحيفة واشنطن بوست الأميركية، متهما ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بفرض عدالة انتقائية للغاية.

ومع أن الكاتب السعودي كان من بين عدد آخر ممن استعان بهم تقرير وكالة رويتزر “اتساع نطاق حملة اعتقالات سعودية شملت أمراء ورجال أعمال ووزراء” الذي كتبه ستيفن كالين وريم شمس الدين، إلا أن وصف الكبير سبق اسم الكاتب السعودي وحده من دون بقية الأسماء التي أخذ رأيها في الحدث كمادة ساندة. بينما النسخة الإنكليزية من الخبر نفسه الذي بثته الوكالة استخدم مفردة “Prominent” التي تعني “بارز″، فلماذا اختار محرر الوكالة استخدام مفردة كبير؟

لا تبدو المشكلة إن كان هذا الكاتب كبيرا أو صغيرا على حقيقته، لكن ما أهمية هذا الوصف الذي تحذّر منه دروس الصحافة الأولية وفق قواعد الحياد.

لم يعط تقرير الوكالة أي شرح على كبر هذا الكاتب ووفق أي مقاس ثقافي أو فكري أو صحافي أو ربما وفق مفهوم الشهرة التي يتمتع بها، فهل ستضيف هذه المفردة التفخيمية رصيدا معنويا للكاتب لدى القراء؟ فيما يبقى تساؤل مشروع عن أهمية ذكر صفة “الكبير” تسبق وجهة نظر لا تختلف كثيرا عما قيل في زلزال اعتقال الأمراء في السعودية بتهم الفساد.

وفق تحليل مضمون التقرير- بغض النظر عن رسالته السياسية إن كان منحازا أو موضوعيا- لا يوجد سبب مهني أو موضوعي بالنسبة لوكالة أنباء عالمية يفترض في تقاريرها أقصى درجات المسؤولية الصحافية والحساسية الإخبارية، أن تطلق صفات مرتبطة بالكبر والصغر والعظمة والضعف على أسماء من تستعين بآرائهم. ليس لأن تلك الصفات تصيب فكرة الحياد بمقتل وتكشف عن دوافع ضيقة وأنانية لوكالة أنباء يفترض أن تكون مصدرا موضوعيا للخبر، بل لأنها ستسقط في عين القارئ بمجرد الانتباه إلى صفة الكبير تسبق الاسم.

الكاتب نفسه لم يزعم أنه كبير، بل يعيش أزمة شخصية وعملية بعد أن فشل مشروع إطلاق قناة فضائية بإدارته تابعة للأمير الوليد بن طلال المعتقل حاليا في السعودية. ولم يضع مثل هذه الصفة تسبق اسمه في المقال المنشور في صحيفة واشنطن بوست، فلماذا أضحى كبيرا في نظر محرري أعرق وكالة أنباء عالمية تبث تقاريرها بأكثر من لغة؟

لم تعد أزمة وكالات الأنباء العالمية في قواعد الحياد والموضوعية فحسب، بل في وجودها أصلا بسوق رقمية مفتوحة لصناعة الخبر يكاد يستحوذ عليها “المواطن الصحافي”.

الوكالات تناضل لتستعيد شيئا من موقعها السابق كمصدر إخباري لا بديل عنه بالنسبة لوسائل الإعلام.

كانت وكالات الأنباء المصدر الوحيد، وما تبثه يكاد يكون مقدسا بالنسبة لوسائل إعلام تقليدية، لكنها اليوم تبدو في موقع متراجع عن صناع المادة الإخبارية المنتشرين في الفضاء الرقمي والمتواجدين في موقع الحدث قبل أن يصله مراسل الوكالة نفسها.

فهل تبدو أزمة وكالات الأنباء سببا للتخلص من قواعد الحياد، لتجد لها موضعا جديدا في السوق الإخبارية المريضة؟ هل سيكون الموقف من الأحداث هو ما يميز أخبار تلك الوكالات، بدلا من أن تكون مصدرا موثوقا للمعلومة؟

إن وضع صفة "الكبير" قبل اسم الكاتب السعودي في تقرير موسع قد يفضي إلى طريق للحصول على إجابات مقبولة على تلك الأسئلة. لأن سوء قراءة محرري رويترز أو خطأ ترجمتهم أو تعمدهم بإضفاء صفة "الكبير" المختلف على جدواها أصلا، أصبحت أمرا عتيق الطراز بشكل قاتل للمادة الصحافية.

من المفيد العودة إلى كلام المدير العام لهيئة الإذاعة البريطانية الأسبق مارك تومسون حول قواعد الحياد، عندما وصفها بالقديمة ولا مكان لها اليوم في مجتمع الفضاء الإلكتروني والإعلامي المفتوح على الإنترنت.

مطالبة تومسون الذي انتقل إلى رئاسة تحرير صحيفة نيويورك تايمز، التخلص من قواعد الحياد التلفزيونية القديمة لاستقطاب المشاهد في عصر الإنترنت، قد تجيب عن بعض ما يكمن في ابتعاد المشاهد عن نشرات الأخبار، على افتراض أن الإنترنت تهدد بانهيار التلفزيون والصحافة التقليدية إن لم يتكيفا مع المستقبل، وأنه لم يعد من المنطقي لخدمات وكالات الأنباء العالمية احتكار المنافسة وسط البدائل الهائلة للمستخدم على الإنترنت.

استخدم إدوارد لوس المراسل الصحافي لصحيفة فايننشيال تايمز من واشنطن، اختبار تساؤلي مفاده "كم عدد الحبوب السامة اللازمة لقتل صفقة تجارية؟" وأنا سأستعير فكرة هذا الاختبار وأبدل الحبوب السامة بالكلمات السامة لقتل مادة صحافية؟ سيكون الجواب من دون شك كلمة سامة واحدة تكفي لقتل تقرير صحافي، كما فعلت رويترز بإطلاق صفة الكبير!

وسائل الإعلام الدولية لا تمزح وهي تجعل المشهد السعودي الحدث الأكثر طلبا في تقاريرها الصحافية اليوم، لأن هناك دولة مختلفة لم تعد تسيطر على مجرياتها فكرة تاريخية ميتة اسمها “هيئة الأمر بالمعروف…” لكن قد تكون هناك كلمات في التقارير المتصاعدة والمستمرة أكثر إثارة للملل بعد التنازل عن قيم إعلامية تاريخية، كما فعلت وكالة رويترز للأنباء.