عتاب عراقي مرير

الجنرال قاسم سليماني يعمل على الطريق الشيعي إلى المتوسط. طريق بري يمر بمحافظة ديالى وينتهي بلبنان بالتحالف مع الحكومات الثلاث؛ العراق وسوريا ولبنان. ماذا فعل العرب لإيقاف المشروع؟ ورطوا سنة العراق برفع السلاح في وجه دولتهم وبث خطابات الكراهية الدينية وتم هدم مدنهم وذبح رجالهم في النهاية.

ثم ورطوا سنة سوريا بحمل السلاح ضد جيشهم وتم هدم مدنهم وذبح رجالهم. والآن في الأمتار الأخيرة نحاول توريط سنة لبنان لعل الطريق يتوقف عند الحدود السورية.

المشكلة هي في التذبذب والإنقلاب المستمر في المواقف. فهم نسوا سنة العراق بعد هزيمتهم وقدموا أكاليل الغار للشيعة المنتصرين، وفي سوريا نسوا السوريين أيضا، وغدا يقدمون الزهور لبشار الأسد.

هذه سياسة غريبة، ثم ما هي المشكلة في طريق شيعي إلى المتوسط؟ لماذا على شعبي أن يموت في سبيل منع مشروع كهذا؟

قبل يومين احتفل الشعب العراقي بتحرير آخر شبر من أرض الوطن من الدواعش. السؤال ما هو الدرس وما هو خطأ السنة السياسي؟ في الحقيقة عندهم خطأ أخلاقي. يقبلون الدعم المخابراتي؛ أي أن دولا تدعمهم بالخفاء ثم تُنكر علاقتها بهم.

إيران منذ البداية رفضت هذا المبدأ فهي تدعم الشيعة وتمجدهم وتفخر بهم وتحزن لأجلهم. مستحيل تقول لك نحن لا نعرف حسن نصرالله أو لا علاقة لنا بحزب الدعوة. بل يضعون أنفسهم في ورطة أتباعهم وهذا فارق اكتشفته بالمراقبة.

السنة بالمقابل قبلوا بالظلام والخفاء والسرقة وانتهى بهم الأمر الى درجة أنهم لا يعرفون ما هو تنظيم "داعش" كيف لا تعرف؟ تمرد سني كبير كهذا حكم ثلث العراق لثلاثة أعوام واكتسب شعبية وسحر الناس. كيف لا أحد يعرف من يقف خلفه؟ هذه نتيجة طبيعية لمجتمع اعتاد على المخابرات والعقلية المخابراتية المظلمة.

الخلاصة في العراق اليوم هي أن مسعود البارزاني قد تورط بالانفصال والعمالة لإسرائيل وبالنهاية الجميع وقف مع وحدة العراق بينما خرج هو بالوجه الأسود.

وتورط السنة بالخيانة والإرهاب ووقف العالم كله مع الوطنية وخرج السنة بالوجه الأسود بعد حريق مدنهم.

الوحيد الذي خرج بالوجه الأبيض هو المكون الشيعي بسبب إيران لأنها لا تتخلى عن حلفائها. وربما يخرج بشار الأسد غدا بالوجه الأبيض فسوريا بتاريخها العظيم لا يمكن أن تكون مجرد "صيدة" كما صرح حمد بن جاسم.

العرب ارتكبوا أخطاء كبيرة استفادت منها ايران كثيرا. فسر ارتباط الشيعة بإيران لا علاقة له بولاية الفقيه. إنه الخوف من الجوع. لقد حاصرهم العرب 13 سنة ورفضوا استقبالهم في بلادهم على نطاق واسع، باستثناء سوريا.

كانت حسرة عليهم كسرة الرغيف وطبقة البيض. والمصيبة كان الحاكم سنيا فلم تكن ايران تستطيع المساعدة ولكنها تستقبل العابرين إلى حدودها بالهوية. رغم أن شيعة العراق قد ساهموا بذبح نصف مليون إيراني في الحرب العراقية الإيرانية.

في العقل الباطن لكل شيعي "العرب" معناها الحصار والجوع. الى هذا اليوم يقول لي بعض الشيعة إنهم يشعرون بألم في المعدة حين يرى العربي ويتذكرون الحصار.

وفوق ذلك تريد منهم التخلي عن سوريا الدولة العربية الوحيدة التي استقبلتهم أيام الحصار بالآلاف وبدون جوازات سفر، وتعاونت مع الأمم المتحدة لمساعدتهم. حيث يدرس أطفالهم بمدارسها وتأكل عوائلهم من خيراتها حتى يتم إعادة توطينهم في أوروبا. بل سوريا احتضنت جميع أطياف المعارضة العراقية الذين هم في السلطة اليوم وأمنت لهم بهجة الحياة الثقافية.

وكما خسر العرب شيعة العراق من قبل وانتهى الأمر نراهم يخسرون سنة العراق اليوم. نحن في المخيمات نازحون وأنت لا تستقبل الأمهات الثكالى بل تستقبل كاظم الساهر لأجل الرفاه والسعادة.

وتتحدث بالمليارات من الدولارات وتحتفي بأثرياء العالم ونرى بالمقابل الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد يشارك بحملة تنظيف كربلاء ويجمع القمامة بشوارعها.

كنّا نتوقع أن يكون أحد المسؤولين العرب يجمع الأنقاض في الموصل أو يطبخ الطعام للأطفال المشردين في مخيم بالأنبار. إن مظاهر الثراء والسعادة تؤذينا وتجعلنا لا نستطيع أن نحبكم لأننا نرى العالم بعيون طفل سني عراقي مشرد.

عندنا شعب عراقي جميل في الموصل لا مثيل له في التاريخ بناته في العراء، يفتقدن مرآة البيت وتمشيط الشعر العربي الجميل وأطفاله يتعلمون شيئا لا يعرفه الأطفال وهو "الحزن". كيف يمكن لطفل أن يكون حزينا وأنت تحدثنا بالسعادة؟

قبل عام تقريبا نشرت صحيفة الشرق الأوسط تقريرا كاذبا عن منظمة الصحة العالمية حول حالات حمل في زيارة الأربعين بكربلاء بسبب اختلاط النساء بالرجال في الزيارة الحسينية. فضج الشيعة واعتذرت السعودية بأكثر من مقال وطردت رئيس التحرير وكادرها الصحفي بالعراق.

ثم تم الترويج لجهاد النكاح في مسلسل سعودي من بطولة ناصر القصبي يقول إن أهل الموصل يبيعون نساءهم للدواعش. عندها خرج الناطق الإعلامي باسم رئيس الوزراء العراقي هشام الهاشمي وقال بأنه كمتخصص في الحركات الجهادية يؤكد بأنه لا صحة لما يسمى بجهاد النكاح والتناوب غير الشرعي على المسلمات في الموصل.

دافع المسؤولون الشيعة من موقعهم في الدولة العراقية عن زائرات الحسين وفي نفس الوقت دافعوا عن سيدات الموصل تحت حكم داعش فسمعة العراقيات تمس الجميع. هكذا وضع الإعلام السعودي نفسه في موقف محرج مرتين أمام الشعب العراقي.

الدولة السعودية الرابعة تقوم بإصلاحات عظيمة وتعلمت العبر من درس داعش والتطرف ووضعت أكثر من ثلاثين رجل دين سعودي مؤثر في السجون. فلماذا يروج البعض بأن داعش تنظيم ايراني لحرمان سنة العراق من تعلم الدرس والإرتباط بدولتهم التي هزمت داعش وقدمت الشهداء لتحرير العراق. هل يريدون استمرار الصراع والحرب الأهلية؟

نشعر بالانتماء للسعودية فهي عمق عربي عظيم لكن عندنا مشاعر أيضا. نحتاج إلى نقد الذات فلماذا نقف "حائط صد" ضد إيران ونضحي بدولتنا وحقوقنا إذا كنت تهمل النازحين وتستقبل حكومة هي حليفة علنية لإيران وتغريهم بالمشاريع والمصالح؟

منذ الإحتلال والعلاقات الرسمية مقطوعة بالمملكة وكانت علاقتنا الوحيدة بكم عن طريق المشايخ وعقيدة التوحيد والنتيجة 400 الف طفل سني مشرد ولا نجدكم في المخيمات بل رأيناكم تتغزلون بالشيعة الظافرين في معرض بغداد وترفعون أنخاب النصر على الإرهابيين.

نحن وقد احترقت مدننا وتحول شعبنا الى مشردين نسمع بتصعيدكم العسكري الجديد مع إيران، ولا نعرف في الحقيقة أين كُنتُم قبل عشر سنوات. ولا نفهم جدوى أي انتصار بعد كل الذي حدث لنا.