الاقتداء باسرائيل!

من الامور التي لم يعرفها الكثيرون من العرب وغير العرب، ان الذي تسبب في اندلاع حرب العام 1948 ليس هو اعلان قيام دولة اسرائيل فقط، بل الفظائع التي ارتكبتها عصابات الهاغانا الصهيونية، التي عملت وفق مخطط معد مسبقا، يهدف الى تحقيق تغيير ديموغرافي في الدولة الجديدة، لصالح اليهود بعد افراغ مناطق كثيرة من سكانها العرب، واسكان يهودا فيها لاحقا، وهو ما تحقق. وقد حصل هذا التغيير الديموغرافي بطريقة مفزعة، تمثلت بمجازر ارتكبتها العصابات الصهيونية في بعض القرى والبلدات العربية داخل اسرائيل، رافقتها دعاية مدروسة لبث الرعب في نفوس الناس، كجزء من اللعبة، ما دفع الكثيرين من الفلسطينيين الى ترك بلداتهم وقراهم والهرب الى مناطق امنة او الى الاردن والعراق وسوريا وغيرها.

لكن اسرائيل رفضت عودة هؤلاء الناس الذين باتوا نازحين وفق التوصيف الدولي لهم بعد اندلاع الحرب بين العرب والصهاينة في 1948، منذ ذلك التاريخ، أي قبل نحو سبعين عاما، والى اليوم. وقد اضيف اليهم نازحي حرب العام 1967 ممن سكنوا المخيمات او هاجروا الى بلدان عربية او اجنبية، بينما ظلت اسرائيل تستقبل اليهود من مناطق العالم المختلفة لاسكانهم في مناطقهم، سواء داخل حدود اسرائيل التي اقرها التقسيم في العام 1947 او في الجزء الاخر من الاراضي الفلسطينية، التي باتت تحت سيطرة اسرائيل بعد نكسة حزيران.

بعد العام 2003 حصل في العراق شيء مشابه لما حصل للفلسطينيين، ولكن على ايدي بعض قادة الاحزاب الكردية، ممن عملوا، على ما يبدو، بالنصائح الاسرائيلية في التعامل مع العرب، لاسيما اننا شاهدنا الكثير من الاعلام الاسرائيلية ترفع والكثير من المهرجانات الخطابية تقام في المدن الشمالية، اثناء الاستفتاء على انفصال الاقليم عن العراق واقامة الدولة الكردية، التي يراد لها ان تستنسخ النموذج الاسرائيلي في بناء نفسها.

لقد اماط تحرير المناطق التي كانت خاضعة لسلطة الاحزاب الكردية، منذ العام 2003 اللثام عن حقائق مفزعة، تحاكي تماما ما حصل في فلسطين على يد الصهاينة، للاسف الشديد، اذ حصل تغيير ديموغرافي في الكثير من المناطق، وبطريقة فاضحة، لكن الاكثر اثارة هو تجريف دور السكان العرب في المدن التي كانت تحت سيطرة البيشمركة، ومحاولة محو اثرها بعد تشريد اهلها بحجج واهية، والهدف هو خلق واقع ديموغرافي يفضي الى واقع اجتماعي ينتهي الى واقع سياسي مختلف. شيء مؤسف حقا ان نسمع ونرى ما حصل لاحياء عربية كاملة في جلولاء والسعدية وغيرها، تم تجريف البيوت فيها وتهجير اهلها، ومؤلم ان نسمع ان العشرات غيبوا او اختفوا بظروف غامضة، في تلك المناطق التي كان محرم على الدولة ان تصلها او يكون لها فيها تواجد في الحد الادنى ليحقق نوعا من التوازن في ادارة تلك المناطق التي ظلت بالكامل تحت سيطرة البيشمركة والاسايش الكردية.

ان هذه الاساليب، المشابهة للاساليب الصهيونية، لا تمثل اخلاق الشعب الكردي الكريم ابدا، بل هي موصى بها من قبل الصهاينة لبعض المسؤولين الكرد، لاسيما ان علاقة بعض قادة الاحزاب الكردية باسرائيل قديمة وتعود الى ستينيات القرن الماضي، والتنسيق بينهم قائم منذ ذلك الوقت، وان ما رأيناه في مسلسل الازمات المتواصلة مع كردستان، كان من تخطيط الصهاينة، وآخره عملية افراغ المناطق من سكانها وجلب اخرين على امل ان يصبح هذا امرا واقعا مع الزمن. وللاسف الشديد هذا ما يحصل الان في فلسطين، حيث يرى البعض ان عودة النازحين الى ديارهم مسألة عفا عليها الزمن، لان هؤلاء او اولادهم واحفادهم، رتبوا اوضاعهم في البلدان التي نزحوا اليها. وهذا ما كان مخطط له في العراق، أي ان الذين يتم طردهم، بذريعة انتماء ابناء لهم لداعش الارهابي او غيره، كما حصل مؤخرا في مدن وقصبات عربية في الموصل، مثلا، سيبقون بعيدين عن مدنهم وقراهم حتى يصبح هذا امرا واقعا يستحيل تغييره، بعد ان تتقادم عليه السنون.