الفرار من الحرب في لبنان

عندما كتبت الأسبوع الماضي هنا مقالا بعنوان "عندما تنحرف المقاومة عن مسارها" كان هدفي إعادة الاعتبار للدور الوطني للمقاومة وليس إنكارها، لكن تلقيت تعليقات من أشخاص يرون أن هذا السلاح هو الوحيد الذي يصلح للتعامل مع الانتهاكات الإسرائيلية والتجاوزات التي ترتكبها قوى إقليمية ودولية.

الأصدقاء والزملاء والقراء الذين تواصلوا معي مباشرة أو عبر صفحتي على "فيسبوك" يعتقدون أن التدهور العربي الحالي يستلزم تعظيم قيمة المقاومة بلا سقف جغرافي، ما جعلني أتوقف هذا الأسبوع عند تفسير أسباب السباق المحموم نحو الحرب في لبنان لتبرير استمرار المقاومة واطلاقها بلا ضوابط سياسية وأمنية.

الحاصل أن غالبية القوى تتصرف كأن الحرب خيار لا بد منه، حتى الدوائر التي من المؤكد أنها ستكون خاسرة، لم تتوقف عن الاندفاع والانجرار إليها، وقد يكون صوت مصر الوحيد المرتفع الذي يحذر من هذه الحرب وعواقبها.

المنطقة وسكانها درجوا على التعايش مع صوت الرصاص وأزيز الطائرات ورائحة الدم وصور الجثث الملقاة على الطرقات، واعتادوا تدخل قوى خارجية في شئونهم الداخلية، ولاحظوا أن غالبية الحكومات تتلقى الصفعة تلو الأخرى، ووجدوا أن الجيوش النظامية محكومة بحسابات معقدة تمنعها من مد بصرها خارج حدودها، وبعضها أصبح لا يستطيع بسط نفوذه داخل بلدانهم حتى انهارت أركانها.

لذلك عندما يدغدغ البعض مشاعرهم بعبارات رنانة وشعارات طنانة، يجدون تجاوبا معهم كنوع من التعويض المعنوي عن التردي والتدهور والخسائر المتتالية، وهو ما يمنح حزب الله في لبنان دفعة معنوية، صورت لقيادته أن الشعوب سوف تملأ الشوارع العربية دعما للمقاومة وتهتف بحياتها.

الحزب المتمرس في الحرب والسياسة، يقابل خطابات التحذير من مغبة الانسجام مع إيران بمزيد من الالتصاق بها، ويواجه معارضة تمدده بالحديث مباشرة عن مآثره الإقليمية في سوريا والعراق واليمن، ويجد في نذر الحرب التي تلوح في الأفق بوابة جديدة لاستعراض القوة والنفوذ.

المثير أن الترحيب بالحرب لا يقتصر على حزب الله، لكن تعامل طهران مع الإدانات العربية جراء تدخلاتها السافرة يبدو غير مبال بها، ووصل حد الصلف بدلا من الرغبة في الانحناء للعواصف التي تدفع باتجاهها قوى إقليمية ودولية متعددة، ترى أن الحرب في لبنان خيار الضرورة.

إسرائيل تقف على أهبة الاستعداد للانقضاض على قوة حزب الله وترى أنها فاضت وتضخمت وتمثل تهديدا إستراتيجيا عاجلا، والولايات المتحدة تستعد لتنفيذ رؤيتها لقصقصة أذرع إيران في المنطقة، وعلى رأسها حزب الله، وتنتظر واشنطن موافقة الكونغرس في 13 ديسمبر المقبل على إستراتيجية الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشن حرب قاصمة على لبنان، لن تكون إسرائيل بعيدة عنها بالطبع.

السباق المحموم نحو الحرب، يأتي من جانب الأطراف المعنية مباشرة بمخاطر التدخلات الإيرانية في المنطقة، ولكل منهم أهداف خاصة من ورائها، ويعتقد هؤلاء أن الحرب آتية لا ريب فيها، بالتالي فأي مرونة وانحناءة من هنا أو هناك لن تكون مجدية، لكن قد يؤدي التحدي إلى صرفها والفرار منها.

وهو ما ينطبق على حالة حزب الله، الذي يدرك أن التجهيز لها يتم على قدم وساق منذ فترة وأنه المستهدف منها أصلا، ليس فقط باعتباره محسوبا على إيران، بل لأن خبرته وقوته وعقيدته القتالية تمثل خطرا على البعض وحان وقت قطافها، ودوره في سوريا كشف عن نوايا تتجاوز الحدود الوطنية.

الاستعداد للمجابهة والتهديدات المستمرة من جانب قيادة حزب الله، محفوفة بالمخاطر، فإما أن تكون أداة ردع وتوقف زحف سيناريو الحرب، أو تدخل لبنان والمنطقة مصيرا أشد قتامة، وفي الحالتين يراهن الحزب على تقليص هامش الخسارة.

إذا كان شبح التقسيم تراجع في سوريا والعراق، فقد ينطلق في هذه الأجواء من لبنان ويزحف إلى دول أخرى قريبة، فالحرب ليست نزهة بالتأكيد، لكنها معبأة بخسائر فادحة للعرب.

وإذا كانت إيران الهدف الثمين فكل الحروب التي اندلعت في المنطقة، خلال الربع قرن الأخير وحصدت منها طهران مكاسب جمة، كانت خارج أراضيها، لذلك تسعى دوما إلى نقل معاركها لميادين أخرى.

مع أن الحرب على لبنان تبدو كمدخل أساس لتهذيب سلوك إيران في المنطقة، غير أن طهران لم تسع لوقف مقدماتها، وعملت على الدفع نحوها بكل قوة، فهي في تقديرها تضاعف من خلط الأوراق الإقليمية، وتمكنها من فرض نفوذها على مناطق مجاورة، وتهيئ لها فرصة لمزيد من مبررات تطوير قدرتها النووية، وتجعلها تتمسك ببقاء عناصرها في سوريا والعراق واليمن، لأن سحبهم لن يتم دون عملية سياسية مقبولة تشارك فيها أطراف إقليمية ودولية.

الولايات المتحدة، التي تراجع نفوذها في المنطقة لصالح روسيا، وتكبدت خسائر فادحة بسبب سياستها المترددة، بحاجة إلى عملية عسكرية تعيد لها بريقها، ولن تجد أفضل من الساحة اللبنانية، بذريعة تقليص نفوذ إيران، وقصم ظهر حزب الله، وحفظ التفوق العسكري لإسرائيل، وتقليل حجم هواجس تل أبيب من فائض القوة في دول مجاورة، ناهيك عن امتلاك وسيلة ضغط وتهديد لموسكو التي تمترست في سوريا، كي تكون المساومة منطقية، عندما يحين أوان تقسيم كعكة الشرق الأوسط مرة أخرى.

من الممكن أن تكون سياسة النأي بالنفس التي طالب بها البعض لبنان صائبة ومفيدة، إذا نأى الجميع بأنفسهم عن التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى، وأولهم إيران، فأحد أهم مشاكل المنطقة زيادة وتيرة الانخراط في الأزمات الخارجية، وغالبية المعارك التي تدور الآن حروب بالوكالة، تتم عبر أطراف محلية لحساب جهات معينة، وفكرة الفصل بين المكونات المختلفة مسألة صعبة وربما مثالية.

الفرار من الحرب في لبنان، يستلزم تغليب الأدوات الدبلوماسية، وقطع الطريق على الجهات التي تحشد لها وتستثمر فيها للتخلص من مرحلة وبدء مرحلة جديدة، تمهد لترتيبات إقليمية تختفي فيها بعض القوى التقليدية وتصعد على ضفافها قيادات جديدة.