عمار خمّاش يتقصى موسيقى الصحراء والحجر

نقوم بغصب الأصوات حتى تتماشى مع النوتات الموسيقية المعروفة

يستكشف الفنان والمعماري الفلسطيني عمّار خمّاش في معرضه "موسيقى الصحراء" أراضي الأردن وفلسطين لكشف خفاياها، والسجل الخفي من الألحان الموسيقّية في الملايين من حجارة صوّان الصحراء، حيث كان موضوع البحث عن نظام في الطبيعة، ولا يزال، في صلب اهتماماته كمعماري وفنّان، صقل خمّاش عينه لرؤية وفهم الكيفيّة التي تصنع بها الطبيعة شكلاً ما: من طريقتها في صناعة تكوين سواءً بالمواد أو الفراغ أو الضوء والصّوت، حتّى كيفيّة توليدها لأنظمة.

يتقصّى خمّاش في هذا المعرض الذي يقام بدارة الفنون التابعة لمؤسسة خالد شومان تداخل اثنين من اهتماماته المحدّدة: علم الأرض والموسيقى، وهما مجالان يبدو أنّهما لا يمتلكان أيّة صلة ببعضهما البعض طبقاً للمعرفة بحسب ما درسناها. لكن خمّاش يراهما على أنّهما معاً يخلقان حقلاً من الأبحاث ما يمكن أن يطلق عليه اسم "صوتيّات الجغرافيا"، أو "صوتيّات الأحجار" كحقل جديد يمكنه أن يفتح مجالاً جديداً للمغامرة في مناطق جديدة لم تختبر من قبل في الموسيقى والصوت والمؤلّفات.

وحول تجربة المعرض تحدث خماش في محاضرة خصصها لذلك وشهدتها أيضا دارة الفنون مؤكدا أن هناك شيئا خفيا في الصحراء قد يغيّر نظريات الموسيقى في العالم، لكن في الوقت نفسه نحن نقوم بتدمير الصورة الأكبر، ولعل جزءاً من فكرة المعرض قام على تشجيع الناس للحفاظ على الصحراء، وأن فيها ثروة لا يصح تبديدها".

وسرد رحلته مع المعرض قائلا "منذ عشرين سنة أحاول أن أفهم أرض الأردن بما فيها البادية. وفي آخر خمس أو ست سنين أركز في طبقة معينة من صخور الأردن وهذا لأسباب. وصلتُ إلى مرحلة أنني عندما أذهب من عمّان إلى العقبة مثلاً يمكنني أن أرى كل الطبقات التي أمرّ منها، وأصبح لدي نظر ثلاثي الأبعاد لكل منطقة أمرّ منها، فإذا مررت بجبل اللويبدة مثلاً فإنني أعرف طبقات الصخر، فمثلاً الطبقة الموجودة في كنيسة دارة الفنون لها اسم وتاريخ ترسّب وبيئة ترسّب وأوراق علمية طويلة، وهي موجودة تحت الطبقة التي فيها صوان موضوع حديثنا اليوم.

وأضاف خماش "كثير من الناس يعتقدون أن هذه الصخور بركانية، لكن في الحقيقة هذه الصخور الصوانية لا علاقة لها بالبراكين، وهي في الأصل حجارة ترسبت في بحر "تيثس" الذي كان يغمر معظم الأردن قبل 40 مليون سنة، عن طريق الشمال الشرقي واتجه إلى العراق وانقسم ليشكل بحر العرب والمحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط. الصوان الذي استخدمته في معرض "موسيقى الصحراء" من طبقة تكوين من "أم ارجام"، وهو جبل موجود شرق جرف الدراويش الواقع بين عمّان ومعان على الطريق الصحراوي، وهي منطقة مدافن من العصر الحجري القديم. تكوّنت "أم ارجام" في البداية على شكل مادة هلامية تشبه السليكون، ومع الزمن اكتسبت الصلابة الخاصة بها، وهي تبدو كرصفة صحراوية، وبمرور الوقت تصبح شبيهة بعمل الإنسان، كأن يداً قامت بترتيبها ورصفها.

وأوضح خماش أن كثيرين يسألونه عن فكرة المعرض، الموسيقى والأصوات، وقال "في آخر 15 سنة كنت أسوق لكيلومترات كبيرة على هذه الحجارة المرصوفة فأسمع صوتها تحت عجلات السيارة، ومرات كنتُ أقوم بأخذ عينات منها لفحص ما فيها من متحجرات مجهرية دقيقة أو أكبر قليلاً، وكنت خلال الطريق أسمع صوت هذه العينات وكأنها تعزف معزوفة موسيقية قادمة من الكرسي الخلفي للسيارة. هذه الطبقة من الصوان تغطي تقريباً نصف الأردن، لكن هذا النصف هو أقل نصف من حيث السكان، وهو محدد بمنطقة وادي سرحان وقاع الجفر ومعان حتى الأزرق، أما الحجارة السوداء فاسمها "حرة الشام" وهي براكين وليس لها علاقة بالصوان.

يظهر تآكل الطبيعة في وديان بمنطقة "باير" وفيها حجارة سوداء من طبقة "أم ارجام" وتحتها تربة بيضاء أو صفراء هي خليط من تآكل المادة الكلسية وتعرّي السلكا. هناك ظاهرة مهمة بالصحراء اسمعها "لمعان الصحراء" وهي تأخذ عشرات آلاف السنين لتعطي طبقة الصوان لمعة غريبة وقوية، ولهذه اللمعة فوائد بيئية لأنها تعمل على تبريد الأرض حيث تعكس أشعة الشمس إلى أعلى.

إن طبقة "أم الرجام" تبدو بسبب ذلك وكأنها مبلطة بالصوان، وتُظهر ذلك الصور من مناطق "طويل شهاق" و"القرطاسيات"، وعندما التقطت هذه الصور كنت أقف على منطقة اسمها "كوزيمة"، وهذا الصوان له فوائد فهو يربط الخماسين الذي يأتي للأردن ومعه ملايين الأطنان من التربة النقية. كان عندي اهتمام بالكيفية التي يتشكل عبرها الصوان، وكيف تنتج الحجارة الأصوات، واكتشفت نوعا من التكرار، والسبب أن داخل الحجار ملايين المتحجرات المجهرية، وهي مهمة لأنها تعطينا عمر طبقات الصخر، ومن خلال ذلك يمكننا الربط بين طبقات الحجارة في كل العالم".

وأشار إلى صلابة الصوان أعطته دوراً مهماً في التاريخ، فقد تشكلت منه أوائل الأدوات التي استخدمها الإنسان للذبح وتقطيع اللحم، وهناك صور تظهر أدوات من العصر الحجري، والغريب أن الصوان يستعمل حتى الآن، حيث تؤخذ منه أجزاء وتدخل في صناعة الأجهزة الجراحية، لأن الجرح يلتئم أسرع بسبب أن الصوان مادة نقية جداً.

هنا بدأت البحث في الكيفية التي تعمل بها الطبيعة لتأسيس نظام شكلي ونظام صوتي، أول عينة أخذتها كان محددة بمساحة 20 × 20 متراً ووضعت أوتاداً، وجمعت كل الحجارة في المساحة التي حددتها، حتى أفهم كم منها بعد الفحص الصوتي سيعطي نوتات معينة، وما النوتة التي تفضلها الصحراء، وهل هناك نوتة مكررة أكثر. بالطبع الفنون تدخل على خط العلوم مباشرة، وأنا أحب أن أقفز السياج الفاصل بين الفنان وعقلية العالم من دون أن أقحم نفسي في نظريات تقوم على الخزعبلات ولا معنى لها.

وقال خماش: خلال "أسبوع عمّان للتصميم" العام الماضي، عملتُ أول آلة موسيقية من حجارة الصوان، واستطعت أن أغطي معظم أو ثلثين البيانوا العادي والذي يتكون من 7 أوكتاف، كل 12 نوتة هي عبارة عن أوكتاف، فالصحراء تغطي من آخر البيانو على اليمين؛ أي أعلى نوتة، إلى تحت الوسط، وإذا بحثت أكثر ممكن أن أكمل آخر أوكتاف وطبعاً هو أمر صعب لأن الحجارة تصبح رقيقة أكثر.

الإنسان يسمع من 17 - 20 ألف هيرتز، وعندما يتقدم في العمر يسمع حتى 17 ألف هيرتز، الموضوع شائك لأنه مربوط بالزمن، فالهيرتز مربوط بالثانية، والثانية مربوطة بتقسيمات الزمن، وكثير من العلماء يعكفون على صنع ساعات مربوطة بشيء آخر غير دورة الأرض حول الشمس، وكذلك الرياضيات لأن ما نستعمله هو الرياضيات العشرية، لكن في مجتمعات أخرى تستعمل الرياضيات العشرين والثمانية وغيرهما".

وأكد خماش أن الفرق بين صوت الإزعاج وصوت الموسيقى هو نظافة الموجة، وأنه مع التحليل نكتشف أن الصوان يعطي طبقات من الأصوات، وفي نفس القطعة يمكن استخراج 12 طبقة فوق بعض، مثل الشوكة الرنانة التي تضغط الهواء وتقوم بعمل موجات صوتية، وهي مهمة لأنه تم بعدها اختراع الساعات. كل العام يعمل اليوم على فكرة الموجات، الشوكة الرنانة ممكن نسمعها ليس في الأذن فقط، وهذا قادني إلى علم آخر، هو كيف أن جسم الإنسان يتفاعل مع الصوت، ونحن نتذكر أن بتهوفن عندما فقد سمعه صار ينام على الأرض حتى يسمع من جسمه، والسمع أهم من البصر، لأن الجنين في رحم أمه ينمو ويجمع ويتعلّم من العالم الخارجي عن طريق السمع فقط، فيتم تطوير الدماغ عن طريق السمع وليس النظر. فجسم الإنسان كله أذن لأن الذبذات تدخل على كل مفصل فيه.

لاحظت أنه عندما نضرب على حجر الصوان يتحرك حركات رياضية، ويصدر أصواتاً يمكن من خلالها استخراج النوتات عن طريق الهرمونيكس. في الموسيقى اكتشف الإنسان أن هناك خمس نوتات وهي أصل كل الموسيقى، والأساس للسلم الموسيقي، ومنها خرجت 12 نوت التي بُنيت عليها كل الآلات الموسيقية، ويعود هذا التأسيس للحضارات القديمة، حيث تم اكتشاف معزوفات مبنية على هذا السلم الموسيقي، وبالتالي تم تأسيس الرياضيات في الموسيقى على هذا الاكتشاف. كما نعرف، من أهم الآلات الموسيقية آلة القانون، وفي الغرب صار هناك هوس بالآلات والأصوات التي يتم استجلابها من الماء، والجبال في سويسرا.

أما آلة البيانو فقد خلقت مشكلة للعالم الغربي، إذ حاولوا عمل موسيقى من خلال تواصل البيانو مع غيره من الآلات، لكن جميع المحاولات ظلت مبنية على الـ 12 نوتة الأساسية، هناك من أوجد بيانوا يسمى "فلويد بيانو" (Fluid Piano) وهو قريب للموسيقى العربية، حيث يستطيع العازف أن يثني أو يطعج النوتة، من خلال رفعها أو إنزالها.

ولفت إلى أن أصوات الحجارة في معرضه تغطي ثلثي البيانو، لكن ما يزال عندي ملايين الحجارة التي فيها أصوات أخرى لا تندرج تحت ثلثي البيانو فقط، ومن هنا رفضت إغصاب الأصوات التي تخرج من الحجارة وقياسها وفق مرجع الموسيقى العالمية الموجودة في أي بيانو. عثرتُ على أصوات أخرى واحتمالات هائلة، فجرّبت كسر القالب.

ورأى خماش أن أي موسيقي في الغرب يريد عمل شئ جديد يعود للمقام وتقسيم النوتات إلى أجزاء صغيرة هدفها تحدي الـ 12 نوته المعروفة. مثال ذلك الجيتار الكهربائي الذي يخرج أصواتاً تشبه صوت الإنسان. البيانو جمّد الغرب، وهم يحاولون الثورة عليه، وصار الشاغل للموسيقيين الخروج من القالب الموحد أو المميت لـ 12 نوتة الخاصة بالبيانو.

وأسست العديد من المختبرات الموسيقية لمحاولة عمل آلات موسيقية جديدة، كصناعة بيانو من مواد طرية يستطيع العازف إزاحة يده في أي اتجاه، لكنه ظل مبني على 12 نوتة، وهناك محاولات خلط ومغنطة ومعجنة لهذه النوتات، تدل على الرغبة في كسر القالب والخروج عليه. كذلك ظهرت تجارب تعتمد على أسس موجودة في الطبيعة كأصوات الطيور أو غيرها، لكنها لم تتمكن من إيجاد رابط يحتكم إلى التقسيمات الرياضية. أحاولُ بدوري أن أوجد تقسيمات جديدة، وأجمع معلومات أكبر من الصوان، وأختبر إذا كانت هذه المعلومات تقع في أي أطر أو تقسيمات جديدة.

الصحراء فيها ملايين النوتات، وأنا أحاول أن أوجد نوعا من الرابط الرياضي بينها، وأكتشف إن كان هناك نوع من البنيوية الخفية من الممكن أن أعمل منها سلالم موسيقية جديدة لم يتم عملها من قبل.

ونبه خماش إلى أن للعرب باعا طويلا في الرياضيات الموسيقية، وفهم الترتيب الذي من خلاله ترتاح الأذن لذبذبات معينة، وأوجدوا المقامات العربية من حجاز، ونهاوند، وسيكا، وغيرها، لكن هذه المقامات بقيت مربوطة على 12 نوتة (chromatic scale).

لو أخذنا السلم الموسيقي من (C) إلى (C) نجد أن المسافة بينهما تم تقسيمها إلى 12 قسماً، كان التفكير يدور حول إمكانية اللعب بهذه التقسيمات فبدلاً من أن تكون 12 جزءاً يمكن أن تقسم إلى 13، أو 14، أو 15 ، أو 16، جزءاً، وحتى 17 جزءاً وعندها ستزداد الأمور صعوبة.

وقال إنه في معرض "موسيقى الصحراء" اختار 6 من الخلطات الجديدة، وبنينا 6 بيانوهات بسيطة حتى نتمكن من سماع الأصوات التي ستخرجها، وكان هذا الأمر يمثل تحدياً بالنسبة لنا، حيث اشتغل باسل ناعوري على تنفيذ البيانوهات، وهو الأمر الذي سيمكننا من معرفة نوع الأصوات التي يمكن سماعها في حال قمنا بتشغيل 4 نوتات معاً، وبالتالي معرفة الرابط الرياضي الموسيقي الذي يجمعها. وإذا كانت الأصوات من الصحراء يمكنها أن تكمل 12 نوتة موسيقية، فهل يمكنها أن تكمل 13 أو 14، أو 17 نوتة؟ بالطبع هذا ما ستتم الإجابة عليه بعد سنوات، حتى نأخذ معلومات من 1000 حجر صوان ونقوم بفحصها ونتأكد إن كان الأغلبية منها تخرج أصواتاً يمكن إدراجها ضمن تقسيم 12 نوتة، أو 13 نوتة، أو 14 نوتة، وهكذا.

وأضاف خماش "أريد أن أتأكد إذا كانت حجارة الصوان تمتلك تسلسلاً معيناً نحن نهمله أو لا نلتفت له لأننا نقوم بغصب الأصوات حتى تتماشى مع النوتات الموسيقية المعروفة. وفي المستقبل سأكون بحاجة أكيدة للعمل مع أشخاص متخصصين برياضيات الموسيقى، ونرى إمكانية استخراج أصوات غريبة لأن آذاننا اعتادت على تقسيم 12 نوتة، ثم إذا ظهرت لدينا تقسيمات أخرى ماذا سنسميها، فنحن عندما ننجح في إيجاد تقسيمات 14 أو 13 نوتة عندها لن تندرج تحت مسمى أوكتاف، وأيضاً لن تخضع للسلم المعروف "دو، ري، مي..".