المرأة السعودية جوهر الانتصار على التطرّف

المرأة وحدها كفيلة بتغيير الرجل السعودي. ربما الإصلاحات الأخيرة كسبت نصف السعوديين فالمرأة نصف المجتمع.

هناك اليوم الحق بقيادة السيارة، وإلغاء الهيئة والمطاوعة الذين كانوا يهددون الحرية الشخصية، والسفر بدون موافقة المحرم، والحق بالعمل والتزاحم مع الرجل، كذلك حق المرأة برفع قضية طلاق ونفقة بالمحكمة.

أضف الى ذلك وزارة ترفيه قوية ومشاريع مسرح وسينما وصالات حفلات. هذه إصلاحات مدروسة لأن الدولة غنية. فالسيارات متوفرة ويمكن للمرأة شراءها، والسيدات حاملات شهادات عليا ويمكنهن مزاحمة الرجل في العمل، والجواز مقبول عالميا يمكنهن السفر باستمرار.

بعدها يأتي الحق بالسفور وقوانين رادعة لكل أخ أو زوج أو أب يعتدي على عائلته بالعنف. فلا يحق لك إجبار المرأة على الزواج مثلا.

لو تدرس التاريخ ترى بأنه هكذا تحكمت الدولة الغربية بالمجتمع. فمنح حقوق للمرأة يجعل الرجل خائفا من زوجته وابنته وتتقلص سلطاته الحالية. لا يعود يفكر بالدِّين والهوية والمجد القومي.

عام 1861 كتب جون ستيوارت مل كتابه حول "احتلال المرأة" لكنه لم يطبعه حقا حتى عام 1869. من وجهة نظره كفيلسوف تنويري أن المرأة كانت محتلة في عصره ودعا إلى تحريرها.

في عهده كانت الدعوة الى المساواة بين الرجل والمرأة في بريطانيا تعتبر قضية غريبة ومضحكة. لاحظ كان ذلك حال المرأة الإنگليزية قبل 150 سنة فقط. فتخيل كم أنت مجنون حين تعود الى الوراء 1500 سنة وتأخذ الحكمة من جدتك الأولى.

لم يطرح ستيورات مل الفكرة من باب الأخلاق والعدالة لكنه طرحها من باب المصلحة والسعادة. فالمرأة في عصره لم يكن القانون يحميها في بريطانيا. كان يمكن لزوجها ضربها حتى الموت وطردها وأخذ أطفالها.

حتى بعد موت الزوج لم تمتلك المرأة الحق بحضانة أطفالها بل تذهب الحقوق لأهل الرجل الا إذا ترك الزوج وصية مكتوبة بغير ذلك. ولم يكن من حق المرأة العمل خارج المنزل، ولا التصرف بملكيتها. بل في بعض الدول الأوربية كانت ممنوعة من التعليم.

ستيوارت مل جادل بشجاعة في عصره إن حال المرأة البريطانية أسوأ من العبيد فقد كان من حق العبيد على الأقل رفض المعاشرة الجنسية مع سادتهم، بينما لم يكن من حق الزوجة الرفض. تخيل زوجها يضربها ويعاملها باحتقار ولا تمتلك الحق برفض الفراش فهو حق من حقوقه.

ولهذا تم في العصر الحديث اعتباره اغتصابا. فالقانون الكندي مثلا يسمح للزوجة اليوم برفع دعوى اغتصاب على زوجها اذا عاشرها دون موافقتها.

يقول ستيوارت مل بدون حرية المرأة يصبح الزواج "مؤسسة اضطهاد" وأفضل للرجل أن يعيش مع سيدة متعلمة مساوية له بالذكاء والحقوق والعمل من العيش مع عبدة وضيعة.

وهكذا حررت بريطانيا في النهاية نصف شعبها. فتخيل شعور الغرب تجاهنا حين نقاوم الاحتلال ونقتل الجندي الأميركي بحجة الحرية الوطنية أو الدفاع عن أرض الإسلام، بينما نحن في نظرهم نحتل نصف شعبنا ونضطهده منذ الاف السنين.

إن التقدم التكنولوجي مكن السلطة الغربية من العقاب النفسي بدلا من الجسدي وصار الناس متشابهين ومشغولين بالرزق والجنس والرياضة. مع هذا هناك القانون وحرية التعبير وديمقراطية سياسية وحقوق انسان.

تخيل لو توفر تقدم تكنولوجي وثروة مع سلطة قوية مستبدة ماذا سيحدث؟ ستحدث سلطة قوية جدا قادرة على إصلاح مجتمع عنيد ومتخلف.

المرأة كفيلة بتهذيب الرجل إذا وقفت الدولة معها. وتنتهي مشكلة التطرّف الديني نهائيا. حقوق المرأة تعني حربا أهلية صامتة. لهذا ترى الرجل السعودي خائفا الآن. فهو سيفقد سلطته التقليدية على بيته. ربما خلال عشرين سنة سيفقد السيطرة. فلماذا تجلب الدولة خمسة ملايين مقيم وهناك ملايين النساء في البيوت بلا عمل بسبب التقاليد؟

المشكلة الوحيدة هي التحول الثقافي والتفسير الإسلامي للوجود. فالاسلام سيقاوم والقبيلة ستقاوم. بنية المجتمع القديم ستقاوم.

السؤال المهم لماذا فشل مشروع التحديث في ايران ومصر وتركيا وشهد العالم عودة الى الاسلام؟ السبب برأيي هو وجود فقر وفساد. فالطبقات الفقيرة رأت في الاسلام مركزا ثقافيا للإحتجاج ضد الفساد والثقافة الغربية المكلفة ماليا.

إضافة الى أن المشروع المصري والعراقي وأخيرا السوري قد تعثر بسبب مواجهة السعودية القوية حينها للحداثة العربية فقد كانت تدعم الإسلاميين. الآن سيحدث العكس؛ فالمركز الاسلامي العالمي نفسه سيقوم بمشروع حداثة وبدأ بالفساد ورجال الدين.

تركيا وايران عندهما اعتراضان هو أن الحداثة ليست أهم من الاستقلال السياسي، وكذلك يعتقدان بأن المسلم عنده هوية شرقية خاصة قد تنفجر اذا حاولت السلطة الضغط عليها، خصوصا إذا كان المشروع استبداديا يفتقد الى الشروط الديمقراطية. بمعنى أنهما يعتقدان أن هكذا مشروع يعتبر مغامرة.

السعودية بالمقابل متضايقة من النقد الغربي الذي يصفها في الإعلام بالدولة السلفية الوهابية التي تتصارع مع ايران في الشرق الأوسط على أساس مذهبي سني/شيعي وتلمح الى أن الإرهاب في النهاية نسخة سنية سلفية.

المملكة تفضل أن تكون هي الدولة العلمانية المستبدة التي هدفها تطبيق النموذج الغربي بالقوة في قلب الاسلام المقدس الجغرافي. وتتصارع السعودية حاليا مع ايران الشيعية وتركيا السنية اللتين تريدان مشروعا اسلاميا معاصرا يحقق استمرار الهوية لهما.

هذا الموقع الجديد يضمن للمملكة دعم الغرب وهو ما تريده المملكة في هذه المرحلة، خصوصا بعد الكوارث التي حدثت في سوريا والعراق وفاتورة الدماء. فقد انقلب عليها سنة العراق وسوريا بسبب ثقافتها السلفية التي شردتهم ودمرتهم.

السؤال هو هل هكذا انقلاب جذري وشجاع ممكن أم فيه مخاطر؟ إنه مشروع مغامر وهو الشرق الأوسط الجديد ورؤيا المملكة الحقيقية.

باختصار السعودية رأت بأنها اذا بقيت على الثقافة السلفية من الممكن أن تأتي حكومة أميركية جديدة وتوقع اتفاقا نوويا مع طهران وترفع العقوبات عنها. وقد تضع بالمقابل عقوبات على المملكة كما رأينا في قانون "جاستا" وحينها تنتهي قوة المملكة في الشرق الأوسط.

بل من الممكن أن تدعم أوروبا الاخوان المسلمين المعتدلين لضمان تحول ديمقراطي في الشرق الأوسط. لهذا دعمت السعودية العلمانيين في مصر وضربت الإخوان وحاصرت قطر، وهي ستتحول الى دولة علمانية مستبدة وتقوم بتحولات جذرية. هذه هي صفقة القرن.

مقدما شنت السعودية حملة على ما يسمى بـ "الاسلام السياسي" حتى لو تؤدي الإصلاحات السعودية إلى مكاسب سياسية لايران وتركيا. وهذا سبب تحالف تركيا وايران مؤخرا. فلم يعد لصراعهما في سوريا أي معنى لأنهما مستهدفتان من الطرف العربي. فطالما فشل المشروع السلفي من المهم أن يفشل الاسلام السياسي الآخر فلا يُمكن السماح له بتحقيق مكاسب على حساب العرب.