إيران، كأنه المخاض

من الخطأ أن نعتقد بأن الاوضاع والتطورات الجارية فيما يتعلق بالمشهد الايراني، هي تقليدية مشابهة لنظيراتها طوال العقود الاربعة من عمر نظام الجمهورية الاسلامية الايرانية، إذ إن الكثير من المٶشرات تدل على إن طهران التي كانت دائما السباقة في الاخذ بزمام المبادرة والقيام بنشاطات ومناورات سياسية بل وحتى عسكرية، نجدها اليوم في موقف يتسم بالحيرة والتردد. فما يجري ليس عاديا ولا مألوفا لطهران ولذلك فإنها تحبذ حاليا التفكير ألف مرة على أن تبادر الى نشاط او تحرك غير عادي تندم عليه فيما بعد أشد الندم.

تصاعد حدة الصراعات بين الاجنحة المختلفة للنظام الايراني، وعمليات التشهير بالبعض ونشر"الغسيل الوسخ"، أضفى ويضفي الكثير من التوتر على الاوضاع الداخلية في النظام نفسه، إذ وبدلا من الانتظام ورص الصفوف وتوحيدها في ظل التهديدات المختلفة القائمة ضد النظام فإن هناك جنوحا نحو المواجهة والانقسام والتشرذم، وبشكل خاص بعد أن صارت تهمتي الخيانة والفساد من أكثر التهم استخداما من جانب قادة ومسٶولي الاجنحة، علما بأن الشعب الايراني والمعارضة الايرانية يتهمون النظام بالخيانة والفساد!

ما يلفت النظر كثيرا في التصريحات الاخيرة للرئيس الايراني السابق محمود أحمدي نجاد، والتي يبدو التصعيد فيها واضعا جدا ضد التيار المتشدد في النظام خصوصا عندما يشير وبكل وضوح الى عمليات تعذيب وتصفية للمعتقلين كما جرى للمدون ستار بهشتي، بل وإنه يفتح النار على رئيس السلطة القضائية المقرب والمحسوب على المرشد الاعلى علي خامنئي، عندما يقول بأن: "هناك صلاحيات إستثنائية للسلطة القضائية. والسلطة الوحيدة لا تخضع لأي رقابة ومنهجيا صلاحياتها تكون فوق جميع السلطات القضائية في العالم. اي في كل العالم يكون الادعاء العام والسجون والطب العدلي وتسجيل الوثائق في الحكومة. غير أن في بلدنا كل هذه مرتبطة بالسلطة القضائية. انها سلطة رهيبة من ناحية القدرة." وهذا التصريح يٶكد ويثبت ما قد سبق وأن طرحته المعارضة الايرانية ولاسيما منظمة مجاهدي خلق بشأن عمليات التعذيب والتصفيات والاغتيالات الجارية في أقبية السجون الايرانية وإن المخابرات الايرانية تشرف عليها.

طبيعة الصراعات الحادة الجارية بين الاجنحة والتي تتجاوز الحدود التي كانت مصانة سابقا، ووصول الامر الى حد الحديث عن كشف ملفات سرية خطيرة تتعلق بأسرار النظام (كما سبق وأن هدد رفسنجاني)، والذي تشير أوساط الى إحتمال أن يبادر نجاد الى اتخاذ هكذا خطوة، يدل على إن الاوضاع في إيران تسير في إتجاه غير طبيعي بالمرة، والذي يجب الانتباه إليه جيدا وأخذه بنظر الاعتبار هو إن هذه الصراعات الحادة تتزامن مع تحديات غاية في الحساسية والخطورة يواجهها النظام داخليا واقليميا ودوليا، بحيث يمكن القول بأنه يكاد أن يكون أسوأ بكثير من الاوضاع التي سبقت سقوط نظام الشاه في عام 1979، رغم إننا نميل لتشبيهه بمخاض جديد ينتاب إيران ويمهد لولادة عصر جديد!