الذباب القادم من جهة اليأس

يُغطي الذباب سماء المدينة، يُطارد أهل البلد في كل مكان، يطير بين ممرات ضيقة، وسط الذل والمسكنة والحرمان، في زمنٍ ملئ بالنفاق والقوانين المقلوبة، في عالم جدب خلا من الفن والحب والجمال، فأي شقاءٍ يحدث سوى الأفكار الجنونية، والذباب الأزرق الذي لا يتغذى إلا على الجثث.

مر إسبوعٌ على آخر وجبةٍ وآخر لعنةٍ، وإن لم تكن الأخيرة، هكذا هاجم الذباب القرية وسط ذاك الخلاء، حيث خلع الجميع نعليه على الأرض التي تلتمع بالرمال. فبعد أن انتهى من سرقة الأكل وبقاياه من الشفاه، قرر أن يقف على المنبر ليخطب قائلاً: أيها الواقفون على حافة المذبحة، أنا الموت الغريب الخائن، آخذكم بلا فرق، وفجأةً وفي عدٍ تنازلي: ثلاثة، اثنان، واحد. انطلق صوت دويٍّ هائل طارت على أثره كل العصافير والأمنيات في طابورٍ طويل ذاهبةً في دروب ضيقةٍ إلى الموت.

وفي الليل بعد أحداثٍ دمويةٍ، خلت السماء من النجوم، لكن ظل شعاع نور بنفس المكان وصوت تراتيل هادئة تردد:

{في بيوتٍ أِذِن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه يُسَبِّح له فيها بالغدو والآصال ورجالٌ لا تُلهيهم تجارةٌ ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب} سورة النور 32.

هكذا مر أسبوع على حادث مسجد الروضة، الذي كان مسرح أحداثه مئذنة عالية، ورمال صفراء، وخطبة خُتمت بحسبنا الله ونعم الوكيل، وأشخاص بجالبيب بيضاء ينتهي بهم الأمر ضحايا وأشلاء. تَرَكُوا قصصاً لم يرونها، وأخرى لم يعيشونها، وثالثةً لم يكملونها.

لم أرد هنا التحليل، أو حتى استنتاج الجهات المسئولة عن تلك الجريمة المصنفة بالإرهاب، ولا اتهام الوحش الداعشي الهلامي، بل أردت أمورا ليست ببعيدة ولكنها بعيدة عن تفكيرنا نحن رغم مسئوليتها الأولى في الحدث.

أولا: ضحايانا يحملون الموت في نفوسهم.

كل ما في الأمر أنهم تعجلوا قليلاً، فماذا نفعل ونحن في مجتمع استهلاكي يستمتع بالطعم دون أن يشعر بالافتراس؟ ففي ظل الطغيان والجهل واليأس والإحباط سنظل نرتدي اللون الأسود حداداً، وسنظل على حافة المذبحة واقفين.

ثانياً: المستنقعات والبرك الملوثة تحرك الذباب بكل أنواعه (الأبيض والأزرق وغيرها).

المشهد بأكمله صار مشوشاً وملوثاً، وباتت كل الطرق فيه مسدودة، فالواقع العربي كله مخيف، ومخجل بتداعياته التي تركت إرثاً ثقيلاً من التخلف والتعصب واليأس وأصبحت بضاعتنا جميعاً مفلسةً.

خلافة مزعومة، وإمامة منتظرة، وثائرون ضائعون وحكومات فاسدة وعداء لدول الجوار وظلم وتواطؤ ومشاريع سياسية تحت الفكر المذهبي، ودماء تنزف وأرواح تزهق وعواصم تدمر ونزاعات تتعمق، وضجيج في كل مكان.

فلماذا نندهش من أي تنظيماتٍ ارهابية، وكل ما حولنا من قتامة وإحباط يجعلنا نلقي بأنفسنا قبل أن تغرق السفينة.

ثالثاً: القاتل في بيتنا وليس غريباً عنّا والتهديد هنا موجه للمجتمع المدني.

السؤال هنا هل يمكن أن نصرعه، أم سنتعامل بمنطق التحريض والانقسام؟

ولا بد ان نعي أن الاٍرهاب تجذّر، والانتقام صار جماعيّاً، وان التهديد صار يعني المجتمع المدني الذي بات مشوشاً ومحرضاً أحياناً أخرى، الشعب لم يعد سلاحاً دفاعياً ضد المعركة الإرهابية، تلك المعركة الطويلة الرمادية التي تحتاج لوعي شعبي، نحن نحتاج لولاية المجتمع المدني الذي أُصيب الآن وبشدة، نحن في خيار وطني صعب يحتاج لحاضنة اجتماعية قوية تمثل المحك الأعظم الآن الذي بدونه لن نستطيع المقاومة تحت أي ظرف، وبأي استراتيجية.

ففي ظل الاٍرهاب الذي يعتمد الآن سياسة الأرض المحروقة للتفريق بين عموم الشعب تحتاج مقاومته حاضنة اجتماعية التي أخشى أن نكون قد قاربنا على فقدها، نحن بحاجة لشعاع من النور ولنستمده من شعاع الشمس الذي لم ييأس يوماً، رغم أنه يتلقى بشكل متتابع أكفاناً من الريحان والياسمين.

ولنعلم أن الحرب على الاٍرهاب حرب بين الناس ومن خلال الناس ومن أجل الناس.

فماذا لو عرفنا أن الذباب أحياناً بيننا يقوم بحرب قذرة جنودها مجهولون ليسوا مدربين بل مبرمجين، أسلحتها الحواسيب تشن حملات تبليغ عنك في العالم الافتراضي تنقل العديد من الأمراض ما يُسمى الذباب الالكتروني.

رابعاً: سيناء النقطة الحرجة.

سيناء النقطة الحرجة بين ضلعي الشام ومصر اللذين يكونان وحدةً استراتيجية واحدة، فالنظرة الإسترتيجية لسيناء تقول إنها قنطرة النيل إلى نهر الأردن والفرات، والوصلة البرية بين أفريقيا وآسيا فهي بالدرجة الأولى معبر استراتيجي. فماذا لو عرفنا في ظل تلك الحقائق المرعبة عنها والخطيرة لموقعها وواقعها معاً، أنه ليس في بادية سيناء كلها من يُحسن القراءة والكتابة، وأنها ما زالت تعاني من خطيئة الحكومات المتعاقبة من عدم الاهتمام بالجانب التعليمي والثقافي، فلا يوجد في أرض الفيروز أي مشروع استراتيجي يعمل كخط دفاع واع، من المؤكد أن التحركات الأمنية والعسكرية جزء من المواجهة المطلوبة، إلا أن المطلوب مقاربة ثقافية واجتماعية شاملة، أليس للإرهاب منابع ثقافية كمنابعه التمويلية والتسليحية.

خامساً: تعزيز الأمن الفكري بعيداً عن الأفكار الكسولة والتعريفات اللزجة.

إن الخلل ليس سياسياً وحسب، بل خلل في عقلية المواطن نفسه، الذي يحتاج لوعي وإدراك شفاف، وتحليل لأمور ارتقت من مرحلة الشك لليفين، وباتت بؤرة للأطماع الصهيونية، فما يجري في سيناء يحتاج لإدارة عاقلة تتحرك وفق استراتيجية مدروسة، تعتمد على تعميق الوعي من ناحية، مع زيادة التعاون مع دول البريكس للتخفيف من حدة التأثر والتلاعب من النظام الرأسمالي العالمي، وإعادة الأهمية والثقة بدول المحور في المنطقة العربية (مصر، السعودية، ودول الخليج).

ويجب أن نحارب الذباب ليس فقط بالمبيدات بل بالإجراءات النظيفة والاحترازية، ولنحاربه جميعاً لكن لنقدر فيه ونعي إصراره لتحقيق أهدافه القذرة.

فلندرس التاريخ جيداً ونتذكر دعوة كامبل لتفكيك الشرق الأوسط فهو يملك حضارة وثقافة وقيما إنسانية، وان هذه التجزئة لن تتم إلا من مكونه الديني والاجتماعي معاً، لننتبه لمصيرنا جميعاً.

تحضرني الآن وبقوة أبيات نجيب سرور والذي كانت ذكرى وفاته توافق حادثة مسجد الروضة، فهل يا تراها صدفة، أم صورة من صور الطغيان والظلم والقهر والإحباط. يقول شاعر العقل الذي انتهت حياته في مستشفى الأمراض العقلية:

تنفي من المنفى، وتبدأ من جديد

هذا مصيرك يا شريد

أن تطرق الأبواب من باب لباب

فتدرك الأعتاب لأرض الخراب

كلباً يضيع مع الكلاب

يا ساكني الواحات أني ظامئ قطع الصحاري في هجير الشمس

هل من كوز ماء

الأرض ضنت والسماء

والنَّاس والأصحاب.. بخل؟.. أم ترى الكل ظماء

أنا عرفنا بدءها هذي الصحاري.

أين من يفتي بأن لها انتهاء؟