مليون دولار من أجل حرية الصحافة

عندما طالب الكاتب جاك شيفر السياسيين بـ”الاستقامة” بدلا من العمل على “تكبيل” الصحافة بقوانين تمرر ما يريدونه أصلا، كان يراوده أمل بأن الاستقامة حل أفضل من الاستقالة من أجل العمل، فتعريف الصحافة بالنسبة إليه لا يمكن أن يتم عن طريق صناديق السياسيين والنقاش “الأنيق” على الطاولات، بل من خلال القصص المنتجة ومن يقف وراء إنتاجها.

القصص الصحافية مصدر الصداع الدائم في رأس الحكومة ولا تنتج إلا في صحافة حرة، ولم تكن الحكومة في يوم ما -بما فيها الحكومات الديمقراطية- ضامنا رحيما للصحافة الحرة، بل هي لا تدفع أكثر من ضريبة الكلام بشأن الفكرة الأفلاطونية عن تفضيل دولة بصحافة حرة على دولة من دون حكومة!

بوريس جونسون صحافي قبل أن يكون قياديا في حزب المحافظين الحاكم في بريطانيا، وعمدة لندن قبل أن يكون وزيرا للخارجية في حكومة تيريزا ماي، وهو من أوقع بريطانيا مع مجموعة من المحافظين في مأزق بريكست، وجعل من المستقبل مشوشا أمام البريطانيين من دون أن يقدر اليوم على إيجاد حل للخروج من حفرة بريكست.

بالأمس تحدث الوزير جونسون بلغة الصحافي وأعلن عن تخصيص أكثر من مليون دولار من الحكومة البريطانية لدعم حرية الصحافة في العالم، في استجابة صغيرة على تهديد كبير واعتراف من قبل الحكومة البريطانية بالحقيقة المروعة التي يواجهها الصحافيون الشجعان في جميع أنحاء العالم.

هذا المبلغ على هزاله أمام الحوادث الجسام التي تلحق بالصحافة والصحافيين في العالم، كان موضع ترحيب من قبل وسائل الإعلام البريطانية، مع أنها لم تخف تفسيراتها بشأن الدافع السياسي الذي يقف وراء المبادرة التي تمثل الحد الأدنى من الجهد في الاتجاه الصحيح لمواجهة التهديدات المميتة للصحافة في البلدان التي تحافظ بريطانيا على علاقات تجارية ودبلوماسية معها.

بل إن صحيفة الغارديان فسرت مبادرة جونسون “الصحافي الوزير” بأنها اعتراف متأخر بحجم الأزمة مع استمرار متزايد للهجمات العالمية على الصحافيين في المكسيك وروسيا وسوريا والعراق والصومال وباكستان ومالطا حيث فجرت سيارة المراسلة دافني كاروان غاليزيا المساهمة في كشف ملفات الفساد، بينما يهدد السجن الصحافيين في تركيا ومصر وكازاخستان ورواندا وبوروندي وجنوب السودان.

يكاد يكون جونسون شاهدا بإفادتين مختلفتين في قضية واحدة، فهو يدرك بوصفه مراسلا سابقا أثناء احتلال العراق عام 2003، كمية الأموال الضخمة التي هدرت من أجل الرقي بمستوى الصحافة في بلد موعود بديمقراطية، تلك الأموال التي تعادل أضعاف ما أعلنه في مبادرة الحكومة البريطانية، لم تنتج صحافة بالمستوى الأدنى من المعايير المرتقبة، وسيّر أغلبها ضمن أخطبوط الفساد في البلاد، ولم تزل الصحافة في العراق في مرحلة متأخرة للغاية ولا يمكن التعويل عليها في معركة الحقيقة المتصاعدة.

في سوريا هناك وجهان للصحافة عبارة عن صراخ متبادل لا أكثر بين صحافة النظام وصحافة المعارضة المدعومة من الغرب، فيما الحقيقة الغائبة عن تلك الحرب الفاشلة لا تجد من يلتقطها إلا من صحافيين بمبادرات شخصية.

لقد تلقت صحافة المعارضة السورية من الدعم ما يفوق المبلغ الذي أعلن عنه جونسون، لكنها لم ترتق إلى المعايير الصحافية المطلوبة.

لم تستطع الأموال من قَبْل حماية الصحافيين ولا يمكن التعويل على المبلغ البريطاني الجديد إلا بحدود الأمل، وهو ما نبه إليه رودني بيندر المدير السابق لمعهد السلامة الإخبارية الدولية والإداري الإخباري السابق في تلفزيون رويترز عندما وصف الاعتقاد السائد بأن معظم الصحافيين يموتون عند تغطية الحروب، بأنه أمر أبعد ما يكون عن الحقيقة.

الصحافيون يُقتلون لأنهم يكشفون الحقائق المريعة عن الفساد والتسلط والتعذيب والانتهاكات داخل حدود بلدانهم، من دون أن يكون هناك تحقيق عادل لملاحقة الجناة، لأن السلطات التي يفترض أن تكون منفذة للقانون هي نفسها مرتكبة الجريمة، لذلك ليس هناك أي حافز لهم للتحقيق.

ولعل العامل الأكثر إحباطا هو عدم توفر الحماية للصحافيين الذين يتلقون تهديدات بالقتل. وتظهر أرقام لجنة حماية الصحافيين أن حوالي 40 في المئة من ضحايا القتل تعرضوا للتهديد مسبقا.

إعلان وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون بأن بلاده التي ازدهرت فيها الصحافة، ستفعل أكثر من المال الذي خصصته لحماية حرية الصحافة في العالم، قد يدفع إلى التفاؤل لدى السذج فقط في بلدان تنتهك فيها القيم الإنسانية قبل المعايير الصحافية.

الحقيقة التي ستزعجك أيها الزميل السابق والوزير الحالي بوريس، أننا لا ننظر إلى قيمة المبلغ المخصص من قبل حكومتكم السامية لإصلاح الواقع المرير في صحافتنا العربية المتردية، على الأقل في البلدان التي وعدتموها بالديمقراطية عن طريق الحرب، لأن كل التجارب السابقة أفقدتنا الثقة بمبادراتكم.

دعني أعد عليك ما كتبه أستاذك في الصحافة ماثيو باريس في صحيفة التايمز ربما لم تطلع عليه، كان اعترافا فذا بقوله “بعد أكثر من عقد من احتلال العراق، لنعترف بأننا أضعنا الطريق إلى الشرق الأوسط، في سياستنا الخارجية والعسكرية”.