لماذا ترشح شفيق من الإمارات وقنصوة من مصر

ألم يكن ممكنا للفريق أحمد شفيق أن يغادر الإمارات في زيارة اعتيادية ثم يعلن الترشح من خارجها، وألم يكن ممكنا للعقيد أحمد قنصوة أن يترشح من خارج مصر أو يعلن ارتداده وتمرده على النظام السياسي السائد في مصر؟ بالطبع كان ذلك ممكنا بالنسبة لهما، لكن الأمر له بعد آخر هو بيت القصيد هنا، والرسالة الأخطر لمسار الدولة المصرية الحالي في عهد الرئيس السيسي، ووصوله لمرحلة انسداد الأفق السياسي.

شفيق يطرح نفسه بديلا للسيسي وليس منافسا

الفريق أحمد شفيق ترشح من الإمارات ولم يغادرها، لأنه يطرح نفسه بديلا ممكنا للسيسي من داخل المؤسسة العسكرية القديمة، ولا يطرح نفسه معارضا له، وشتان بين الأمرين! إذا اعتبرنا أن المؤسسة العسكرية تحولت منذ ثورة 52 لمنظمة سياسية قادت مشروعا وطنيا في عهد عبدالناصر سواء اختلفت او اتفقت معه، لقلنا ان المؤسسة العسكر/سياسية ذاتها تحولت في عهد السادات إلى بنية عميقة في المشهد نمت فوقها إرهاصات بنية سياسية ضعيفة، ثم اشتد عود هذه البنية السياسية الهشة في عهد مبارك عن طريق تحولها لطبقة مصالح تسيطر على المنافع والخدمات السيادية، في مقابل إنسحاب المنظومة او المؤسسة العسكرية للوراء عميقا وتحجيم إمكانياتها العسكرية منذ نهاية الثمانينيات، ومع التسعينيات وضح مشروع مبارك في اللجوء لأميركا وإسرائيل وتحول الجيش المصري ككل مقومات الدولة المصرية في حينه لأبنية مفرغة من المضمون. لكن المؤسسة العسكرية ظلت تحمل في طياتها وطبقاتها الدفينة غضبا مكتوما، كلما أعلن عنه أحدهم هُمش بعيدا في طبقات المنظومة العسكرية وغياهبها.

عودة المؤسسة لمفهوم العسكر/سياسية القديم

ولنكمل الصورة يمكن القول أن المؤسسة العسكرية المصرية عقب ثورة 25 يناير، عادت لدور العسكر/سياسية القديم الذي أسس له عبدالناصر، لكن المؤسسة العسكر/سياسية المصرية منذ حينها وتشهد الحراك والتدافع الكامن تحت السطح. الحرس القديم داخلها يميل لفكرة التسلط والاستحواذ على المنافع والخدمات السيادية، والتحول لطبقة سلطة تخلق تراتبا اجتماعيا مصريا جديدا يقوم على إدارة التناقض للسيطرة على روح الثورة، ودفع الشعب بعضه لبعضه حد الكراهية والتشوه الإنساني. لكن على الضفة الأخرى داخل المؤسسة العسكر/سياسية المصرية هناك الجيل الجديد الذي يتسم بسمتين. أولا: تشبعه بذكريات المؤسسة العسكر/سياسية القديمة الأم في عهد عبدالناصر، عن مشروع نهضوي مصري ودور إقليمي ريادي. وثانيا: توحده مع مطالب ثورة 25 يناير واعتزازها بالذات المصرية ومحاولة استنهاضها. وعلى مدار الفترة الماضية لا يظن أحد أن جناح الشباب في المؤسسة العسكر/سياسية المصرية قد استسلم ورفع الراية البيضاء.

تمرد الجناح المحافظ

وإذا عدنا للحظة الراهنة بترشح شفيق وقنصوة، فإن الرسالة واضحة للرئيس السيسي، بأن المؤسسة العسكرية المصرية بجناحها المحافظ (شفيق) وجناحها الحالم (قنصوة) تعترض بشدة على المسار السياسي الراهن، ومعادلة التناقضات التي قادته لرأس السلطة وما آل له حال البلاد داخليا وخارجيا.

لقد ترشح شفيق من الإمارات ولم يغادرها لأنه يقول أنا أتمرد من داخل بنية التحالف للدولة المصرية القديمة ذاتها، وأقدم نفسي بديلا للرئيس السيسي، ولا أريد أن أعيش دور المعارضة عبر الترشح من تركيا مثلا أو من أميركا أو حتى من دولة على الحياد من أوروبا. رسالة شفيق واضحة للمؤسسة العسكر/سياسية المصرية ومنها، أنا أقدم نفسي بديلا للسيسي ولا أقدم نفسي كواجهة للمعارضة.

تمرد الجناح الحالم

وكذلك ترشح أحمد قنصوة عبر فيديو من داخل مصر وبزيه العسكري، في رسالة شديدة الوضوح من داخل الجناح الحالم الشبابي الحالم داخل المؤسسة العسكرية المصرية، وقد ترشح وهو يعلم تماما تبعة ترشحه وما سيتعرض له! لكنه كان يوصل الرسالة مدوية للرئيس السيسي: إن مسارك والمستشارين ومن حولك والنظام بأكمله يسير في وجهة خاطئة، وعلينا استعادة الدفة قبل غرق السفينة داخليا وخارجيا.

أسباب التمرد

جرأة شفيق وجرأة قنصوة، تؤكدان على أن الخطوات التي تورط فيها الرئيس السيسي وفريق المستشارين من حوله قد أثارت الغضب المكتوم داخل المؤسسة العسكرية المصرية وريثة نظام عبدالناصر، والتي دغدغت الثورة المصرية العظيمة في 25 يناير مشاعر الجيل الجديد داخلها في ان يكون له تجربته الخاصة، ويلتف حول الثورة الجديدة ويجعلها لحظة مفصلية في استعادة النهضة المصرية! والغضب المكتوم قد يكون مصدره عدة ملفات أساسية منها: التفريط في تيران وصنافير، توقيع اتفاقية سد النهضة، صفقة القرن مع أميركا والصهيونية، تأليب طوائف المجتمع المصري ضد بعضه شيعا لتفكيك منظومة الأخلاق وتجويع الناس، واستئثار كل مجموعة بمساحة من الوجود يقف عليها كالشيطان الذى أصابه المس والتوحش في مواجهة الآخرين!

لكن لب الرسالة وخطورتها هنا التي يجب ان يعي لها مسار الدولة المصرية الحالي، أن الرتق قد يتسع على الراتق، ولا بد للنظام المصري من العودة للوراء والتراجع في تلك الملفات الخطرة قبل فوات الأون، والوصول لحتمية الصدام أيا كان شكل هذا الصدام.

وقف تكتيك "القطيعة والصدام"

منفذ أن وصلنا للحظة نهاية معادلة التناقضات التي جاءت بالإخوان/مرسي، وعاد المجلس العسكري الثاني برئاسة الفريق عبدالفتاح السيسي حينها، وأفتى مجموعة من علماء ومفكري الدولة المصرية العميقة باتباع تكتيك "الصدام والقطيعة"، مع روح الثورة المصرية ومطالبها بالتغيير كآلية لعودة النظام القديم، والحفاظ –حقيقة- على مراكزهم الاجتماعية داخل النظام الجديد/القديم، وذلك في مقابل استجابة النظام لمطالب الثورة وتكيفه هو مع روحها واستجابته لمجموعة المثل الإنسانية العليا التي يطالب بها! وأذكر أن مجلة "السياسة الدولية" العريقة التي تصدر عن مؤسسة الأهرام، قد خصصت ملحقها النظري مرة كاملا للرد على أطروحتي في كتاب "المصريون بين التكيف والثورة"، لتزين تكتيك "الصدام والقطيعة" والذي بالفعل مزق أوصال البلاد وجعل أهلها شيعا، وأذكر انني قمت بالرد على كافة الدراسات التي وردت في ذلك الملحق وبينت خطورة ذلك التكتيك الذي قاد البلاد لما آلت له، وجعل الثمن الوحيد الممكن دفعه للحفاظ على فكرة الدولة القديمة أو "الدولة حارسة التناقضات"، هو من اللحم الحي، من لحم الأرض المصرية في تيران وصنافير وفي سيناء صفقة القرن، وفي مياه النيل التي قطعتها أثيوبيا عنا، وأصبحنا من التشتت والاقتتال والتشاحن الداخلي بما يجعلنا لا نملك لها شيئا..

قاب قوسين أو أدنى

إن مفهوم "الدولة حارسة التناقضات" وتكتيك "القطيعة والصدام"، أوصل البلاد للحظة مراجعة الذات وقاب قوسين او أدنى، تتمرد الآن أجنحة مؤسسة العسكر/سياسية المصرية المحافظة والحالمة، وكل أملنا في دولة مؤسسات تدفع في اتجاه النهضة، مشروع وطني لا يؤلب طوائف البلاد ضد بعضها البعض، ويعمق التناقض (فإما أنا او الفوضى)، مؤسسة عسكرية قوية لها مهنيتها واحترافيتها في مجالها، ووزارات خالية من الفساد فعالة وشفافة، لا يتم هدمها لصالح تيار ما أو مؤسسة ما، بغرض بناء التناقض وتأليب الناس ضد بعضها وزرع الفتنة، وجعل الناس شيعا متحاربة.

الحل البديل/ الأمل

إذا استمر تكتيك "القطيعة والصدمة" ومفهوم الدولة الأمنية، وتوظيف نخب هشة في الأكاديمية والمعرفة والثقافة، فلا بد سوف تصل البلاد للحظة الصدام سواء تأخر أو كان عاجلا. فهل من ناصح أمين يرى في العودة والتوحد مع لحظة 25 يناير ومطالبها بالنهضة والحرية واستقلال الإراة "حلا بديلا"، ومرحلة انتقالية لخلق الدولة الحلم/ المشروع/ المؤسسات/ الأمل.