زهايمر متعمد

مع أن العالم برمّته يحذر من الزهايمر خوفا من أن تتصاعد خطورة المرض إلى الحد الذي صار فيه يجمع أعدادا متصاعدة، إلا أن هناك زهايمر متعمدا يكاد ينتشر بين أناس المجتمعات العربية.

هؤلاء الناس يذهبون متعمدين للمرض الذي يتحدى تماما محاولات العثور على السبب والعلاج، في محاولة للتخلص من التزامات أخلاقية أمام الآخرين سواء في المنزل أو العمل أو مع الأصدقاء، هكذا ببساطة يقترف “الشخص اللامسؤول” إصابة نفسه بالنسيان أو الزهايمر المتعمد ويبدو وكأنه أمر يدل على السفه في عصر مشبع بالمعلومات. فقط للتخلص من التزام مع الآخرين وفي محاولة بائسة لتبرير تقصيره.

إذا كان الزهايمر الحقيقي يوصف بان المصاب به قد اختفى ببطء داخل عالم الشيخوخة السفلي، ليخسر الملكات الأساسية التي تميزنا كبشر. فان من يفتعل الزهايمر في محاولة بائسة للاعتذار من الآخرين أو تبرير تقصيره عليه أن يشعر بالإذلال أمام نفسه لأنه يعيش تنافرا مزعجا. ما معنى أن يكون لك موعد يعوّل عليه الآخر وينتظره لتخبره بعد حين أنك نسيت الموعد؟ وما تفسير الضجيج الذي يفتعله الأزواج في المنزل لمجرد أنهم لا يريدون أن يتذكروا أين وضعوا حاجاتهم اليومية المستمرة الاستخدام، في محاولة دائمة لجعل الزوجة تفكر نيابة عنهم.

ما المشاعر التي تسببها لأحد أفراد أسرتك عوّل عليك أن تجلب له حاجة ماسة عند عودتك مساء للمنزل، وتصل من دونها؟ بل ما الإحساس الذي ينتابك وأنت تقصّر بتعمد في عملك بطريقة إنجاز الأشغال بما كانت تسميه أمي "شغل يزي قهر"؟

كان من أسهل وأكثر الإجابات سذاجة وطفولية التي يقترفها التلاميذ المقصّرون في أكمال واجباتهم، إخبار المعلم بأنهم نسوا ذلك، واليوم يمارس أناس على درجة من الوعي هذا النسيان الساذج والأبله لتبرير هزالتهم أمام الأخر، بل والقبول بأن يكونوا في حالة تنافر مزعج.

الصورة التي يضعها مرض الزهايمر مفادها أنه مع تقدم العمر يتراجع كل شيء وينتهي بك الحال إنسانا خاملا. والصورة التي يقترفها الإنسان بحق نفسه أنه يبرر إصابته بالخمول أمام الأخر بأنه مصاب به من دون أن يشعر بموقف الإذلال أمام نفسه.

العالم يعمل من أجل فك لغز التعايش مع الغموض الذي يهدد شيخوخة البشر للحفاظ على الأشخاص المصابين بمرض الخرف بشكل ثابت داخل ثنايا المجتمع المدني، سواء من خلال السينما الصديقة للمرض، أو العروض المسرحية، بينما حلقات من الناس في المجتمعات العربية مازالت ترى في التناسي طريقة منقذة لكسر قيمة الالتزام والمسؤولية الشخصية.