فلسطين ناقوس الذات العربية وثورتها

على عكس ما يعتقد المعظم فإن فلسطين هى التي توقظ الذات العربية وتدعمها، وليس العرب هم من يدعون فلسطين. لكل أمة "محددات للهوية" وحدود تُذكرها بتاريخها ومن هي، ورغم كل ما يحدث في دورات الضعف الحضاري (مثل التى تمر بها الأمة العربية وبلاد المسلمين)، وما قد يرضون به قهرا وذلا من الهوان والاستضعاف، وأن يتصدى للأمر والولاية من لا يعرف ثقلها.

ورغم دورات الضعف الحضاري هذه وما يصاحبها من تفكك لمنظومة القيم والأخلاق عند الكثير من العامة التي "تتكيف" مع الوضع السائد عادة، إلا أن هناك بعض المسائل التي تذكر الناس بهويتهم المستلبة الضائعة، وتجعلهم ينفضون عنهم كل سمات دورات الضعف الحضاري فجأة. وكان قدر هذه الأمة أن تكون فلسطين التي زُرعت في موضع القلب منها تماما، لتفصل بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية والعراق، عن مصر وبلاد المغرب العربي.

قدر هذه الأمة أن تنتفض وهي في حالة موت وغيبوبة؛ قدرها أن يتحول الجرح العميق لدواء سحري شافي، لطائر فينق يدفع الدماء في العروق ويحيى الجسد من سباته علّ الأمر يصدف مرة، وتشرع البلاد في العودة لبناء ما يلزمه الأمر من استرداد ما لها وتجد الفتى.

غافل أو متغافل من لا يعلم علم اليقين أن الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى عام 2000) هي التي أنتجت الثورة العربية الكبرى في العقد الأول من الألفية الثالثة. غافل من لا يعلم أن جيل الانتفاضة الفلسطينية (من الابتدائي والإعدادي والثانوى والجامعة)، هو الذي قاد الثورات العربية في مصر وتونس وسوريا واليمن وكل الأرجاء.

غافل من لا يدرك أن أشرف تاريخ للحركة الطلابية المصرية كان وما زال في ذلك العقد المجهول، العشر سنوات ما قبل ثورة يناير، حيث بدأ هؤلاء من الصفر دون خلفية أيدولوجية ودون وعي تنظيمي ودون غطاء سياسي، واعتمدوا على الفرز الفطري في التحرك والعمل، هذا الجيل الذى اكتسب كل المهارات التي ظهرت في الثورة المصرية، اكتسبها عبر دعمه للانتفاضة في الفترة 2000-2004، وبعدها في رفضه لأحداث احتلال بغداد وتخريب العراق، ثم طور هذا الجيل ما سمي بحركات الاحتجاج الجديدة.

يحاول الجميع وئد روح هذا الجيل وطمس ذكراه وإنكار وجوده. السلطة ترى فيه نبتا شيطانيا وخطرا داهما لم يتعلم الحركة داخل نطاق السيطرة، والمعارضة حاولت تفكيكه عبر "آليات التشويه والاستقطاب" لأنه يمثل بديلا سياسيا لا قبل لها بمجاراته أمام الجماهير. لكن هذا الجيل يستوعب الدروس جيدا. في المرحلة الحالية انتفض هذا الجيل انتفاضة كبرى في عهد الرئيس السيسي، في أحداث تيران وصنافير، ولكن المؤسسة الأمنية فاجأتهم بالعودة الصريحة لتكتيكات مواجهات ما قبل الثورة، وما لا يعرفه رجال الأمن السياسي أن الرسالة وصلت لجيل الثورة المصرية، وأن هذا الجيل الآن إذا تحرك فسوف يتحرك وهو على علم ويقين تماما بما سوف يواجهه!

يحاول سدنة البنية القديمة للمجتمع المصري إيهام أهل السلطة في قدرتهم على كبح حركة الثورة والتغيير، عبر تجويع الناس وتحويل كل أجهزة البيروقراطية لأماكن لخلق التشوه وكأن المس الشيطاني أصابهم، لكن ما يخفيه هؤلاء السدنة عن أهل السلطة أنه رغم محاولة "تفكيك الكتلة الجامعة" لجيل الحركة الطلابية/جيل 25 يناير، فإن هذا الجيل يتعلم والفرز الطبيعي يعمل تحت السطح، وهذا رسالة تحذير لمن يعتقدون أن السدنة من "علماء السلطان" و"رجال الدرك" قد سدوا كل المنافذ والاحتمالات لميلاد الغد والفجر القادم لا محالة.

فلسطين، هي أهم ناقوس لإيقاظ الذات العربية، واليقظة لها أسبابها، اليقظة تستدعي البحث في أسباب السبات والنوم، من حيث لا يدرون كلما ظهر علينا يوسف زيدان كلما ظهر علينا ترامب بخطة جديدة، فإن الوعي يشتد أكثر بضرورة كسر معادلة القهر والسيطرة التي يفرضها "رجال الدرك" زسدنتهم، للعبور والدفاع عن فلسطين.

فلسطين هي عربية، لمسيحي الشرق فيها مثلما لمسلميها، وليهود الشرق فيها مثلما لأهلها، الصهيونية حركة غربية وظفت قهر أوروبا لسكانها من اليهود، لتصنع تناقضا يوظف يهود اوروبا المستضعفين كسلاح لكبح جماح الشرق، ومن أجل ذلك أججت مساحات التناقض الديني في الذاكرة بين يهود الصهيونية المتطرفين والمسلمين، وفي تناقض آخر دعمت بعض المسلمين ضد روسيا الشيوعية في باكستان، لتخلق منهم بعد ذلك تناقضا جديدا يوظف لشق الصف بين مسيحي العرب ومسلميهم!

والنخبة العسكرية العربية الباقية التي تنتمي لمرحلة القومية والتحرر الوطني في القرن العشرين، معظمها لا يريد أن يتجاوز وعيه، ويوظفهم الغرب كرمانة ميزان للحفاظ على كل التناقضات، فيما أسميه "أسطورة الدولة حارسة التناقضات".

فلسطين في الذاكرة العربية والشرقية، لمن لم يقع في تناقضات الغرب واستلاب الحداثة وما بعدها؛ هي أرض الزيتون والرسالات السماوية والمحبة، هى السوط الذي سيلهب ظهر الفرس لينهض من كبوته ويزيح جلاديه للوراء بعيدا بعيدا، فلسطين ليست هي "تناقض الخلاص" وقبلة الحياة لأسطورة "الدولة حارسة التناقضات" في صفقة القرن مع أميركا/الصهيونية، فلسطين ستكون مقبرة لكل من لا يدرك مكانتها في الوعي العربي.

فلسطين هى الكرة التي سوف ترتد إلى مرمى من أراد بها شرا، وراود بها الذات العربية عن نفسها، فلسطين لن يساعدها العرب، فلسطين ستذكر العرب بعجزهم وقهرهم، فلسطين ستساعد العرب في الدفاع عما لهم، ومن اعتقد أن الوقت يمر في صالحه فإن فلسطين كـ"محدد للهوية" ومعها تكتيك "القطيعة والصدام"، يصبان في الطريق نفسه، وهو الموات موات الخواء وسكون المقابر كأن قيامة البلاد قد قامت فجأة، قبل أن تأتيها العاصفة بالحياة والبعث فجأة أيضا، انتفاضة واعية تعرف جيدا من تواجه وكيف تواجهه والأيام حُبلى، انتفاضة من أجل الذات ومن أجل ما يهم الذات، تلك الذات العربية التي يحاول الجميع تفكيكها وتأبى، فمن حيث أمنوا سيكون الخوف، ومن حيث دبروا ستكون المكيدة، ومن حيث ذلوا ستكون العزة.

ولو كمنت الانتفاضة في الزمن، ولو كمنت انتظارا للحظة تأتيهم فيها كضربة رجل واحد، من حيث لا يدرون ولا يشعرون! فهل من عاقل يدرك الأمر قبل حتمية الصدام وكسر معادلة التناقضات برمتها والمذلة الراهنة، كانت وما زالت فلسطين هي ناقوس الذات العربية ومدفعها طويل المدى، وأرغولها، والناي، والعشق.

فعاشت القدس عربية

عاشت.. عاشت.