قراصنة المتوسط: تاريخ الأوروبيين في المنطقة مصدر مهم لسياساتهم المعاصرة

التاريخ يتحوّل إلى أدب

اتخذت العلاقات بين شمال البحر الأبيض المتوسط وجنوبه أشكالًا متعددة، غير أنها لم تنلْ التقدير التاريخي الكافي ـ من جانب التناول ـ من قِبل المؤرخين على مر العصور، وتُعدّ الحقبة الزمنية موضع الدراسة في هذا الكتاب "قراصنة المتوسط" ـ ما بين فتح القسطنطينية (1453) على يد محمد الفاتح، والحملة الفرنسية على مصر (1798) التي سبقها استيلاء “نابليون بونابرت” على جزيرة مالطا ـ أهم الفترات في تاريخ العلاقات بين ضفّتي المتوسط ـ الشمال المسيحي والجنوب المسلم الواقع تحت الوصاية العثمانية؛ إذ كان الصراع غاية في الشراسة للسيطرة على حوض المتوسط كونه معبرًا اقتصاديًا مهمًا، ولكن الاقتتال بين الطرفين لم يكن كل شيء كما يكشف الكتاب، الذي أشرف عليه "فرانسوا مورو" أستاذ الأدب الفرنسي بجامعة السوربون، ويضم فصولا مترجمة من كتاب بالفرنسية عنوانه "أسرى المتوسط من القرن 16 إلى 18.. قصص وحكايات وأساطير".

وتأتي أهمية الكتاب الذي ترجمه محمد عبدالفتاح السباعي ووفقا له تنبع من عدة اعتبارات؛ أولها أن الفترة موضع مناقشات الكتاب تكاد تكون غير موثقة على الإطلاق في المكتبات العربية، وثانيها تسارع المتغيرات الدولية في العقود الأخيرة؛ بما أدّى إلى نشوء تنظيمات دولية وإقليمية وشراكات سياسية واقتصادية، لعلّ أبرزها اتحاد الأورومتوسطي؛ ولأن العلاقات الأوروبية العربية قديمة قِدمَ الأزل؛ ولأنّ البحر المتوسط هو همزة الوصل بين الجانبين؛ فإن تاريخ سياسة الدول الأوروبية في المنطقة يُعدّ أحد أهم مصادر سياستها المعاصرة.

لم يجد "فرانسوا مورو" - أستاذ الأدب الفرنسي بجامعة السوربون، والمشرف العام على وضع الكتاب - أفضل من أدب مالطا ومكتباتها بما فيها من مخطوطات ووثائق مرجعًا رئيسًا استند عليه ومن شاركه من أساتذة منحدرين من بلدان شمال المتوسط وجنوبه؛ لاستقاء معلوماتهم التاريخية عن الفترة الزمنية سالفة الذكر، وذلك لكون الجزيرة قاسمًا مشتركًا في الكثير من الأحداث، وباعتبار أن مالطا نفسها كانت - ولا تزال - حلقة الوصل بين القارتين: السمراء والعجوز. وهكذا؛ فإن التاريخ يتحوّل إلى أدبٍ من خلال مغامرات شخصية، وحكاية أسيرٍ هنا وآخر هناك.

وقال "في العام 1530 اكتسبت "مالطا" أهمية إضافية؛ إذ أصبحت واقعة تحت حكم فرسان القديس يوحنا؛ لتصبح مهمة البحرية المالطية مطاردة والتصدّي للقراصنة الترك والأمازيغ على حدٍ سواء؛ إلا أن الجزيرة كانت في الوقت نفسه رمزًا لغموض "جيوسياسي" متوسطي، فمن الناحية الرسمية؛ كانت بمثابة كلب حراسة مسيحي في مياه المتوسط، ومن ناحية غير رسمية؛ كانت ـ أيضًا ـ وسيطًا تجاريًا بين أوروبا والعالم الإسلامي".

وأشار السباعي إلى أن الكتاب يضعنا أمام لوحةٍ طبيعية لمشهد ثقافي ـ أخلاقي أفرزته قرونٌ من المعارك في الجانب الغربي من المتوسط وقبالة سواحل الشمال الإفريقي والجنوب الأوروبي، ويؤكد حقيقة أن الصراع بين بني البشر ليس له سوى وجهٍ اقتصادي حتى لو ارتدى ألف قناعٍ أيديولوجي. وقد استمتعت كثيرًا ـ على المستوى الشخصي ـ بقراءة وترجمة الكتاب، ولم أجدْ من معوقات سوى بعض النصوص المطولة بالإسبانية والإيطالية؛ المفهومتين لدى معظم المثقفين الفرنسيين باعتبار أن الكل مشتقٌ من اللاتينية، ولم أجدْ سوى اللجوء لأصدقائي الفرنسيين الذين يتقنون لغتيّ أهل مدريد وروما؛ كي أفهم منهم ما استعصى عليّ فهمه.

في دراسته قال فرانز سيابارا أستاذ الأدب الأوروبي بجامعة مالطا ويكتب بالفرنسية والإيطالية أنه "حتى العام 1798؛ الذي شهد نهاية حكم "فرسان القديس يوحنا" لجزيرة مالطا على يد نابليون بونابرت؛ كانت الجزيرة بالنسبة للمسيحيين هي خط الدفاع الأول ضد العدو المسلم، ولكن يمكن القول إن ذلك كان فيه كثيرٌ من التناقض؛ إذ حتّمت ظروف تاريخية وجغرافية مشتركة بين مالطا ودول الشمال الأفريقي أن يتقارب المسلمون والمسيحيون، وكان التعامل بين الطرفين يتم في إطار من المرونة المتبادلة، وكانت ثمة علاقاتٍ ودية قد بلغت ذروتها في العام 1737؛ حينما ساعد فرسان القديس يوحنا حاكم تونس ـ المسلم بطبيعة الحال ـ في استعادة عرشه من متمردين على نظام حكمه؛ كانوا قد أطاحوا به في وقت سابق.

غير أن السبب الرئيس في هذا التقارب كان اقتصاديًا بامتياز؛ إذ كان كل منهما يعتمد على الآخر في هذا المجال، وعلى الرغم من حرب القرصنة المتبادلة بين الجانبين وخطف كل طرف رعايا من الطرف الآخر؛ فلم يَحُلْ ذلك دون إقامة علاقات تجارية متميزة، ففي الثامن من أكتوبر/تشرين الأول عام 1761؛ قام تاجر تونسي ـ يدعى مصطفى ـ بجلب ثلاثٍ وأربعين بقرة وبرميلين من التبغ إلى جزيرة مالطا، على الجانب الآخر ـ أيضًا ـ كان تجار مالطا يتجولون بحرية في دول العالم الإسلامي، وفي العام 1680 طالب "كانتيلمو" ـ قاضي مالطا ـ سلطات بلاده بتقنين دخول المسلمين الجزيرة المسيحية بوثائق سفر، وكذلك عدم السماح للرعايا المسيحيين بدخول الأراضي الإسلامية بسببٍ ومن دون سبب؛ إلا أن دعواه لم تجد أي ردة فعل، وهذا التجاهل نفسه كان مصير دعوة شبيهة من أحد المبشرين المسيحيين الذي اشتكى في خطابٍ غير مؤرّخ كتبه للجمعية الدينية التي يعمل معها ـ وتدعى "بروباجاندا فيد" ـ من سهولةٍ مبالغٍ فيها يدخل بها المالطيون مدينة طرابلس الليبية، واستشهد المبشر المسيحي بقصة تاجر يدعى "بنديتو بليا" الذي مكث في طرابلس الغرب ثلاثة أشهر ليبيع كميات ضخمة من السمك وقوارير خمر، علمًا بأن مسيحيين آخرين كانت تستهويهم الإقامة الدائمة في البلدان الإسلامية؛ فهذا إيطالي يدعى "فرانسيسكو سبيتيري" أقام في مدينة الإسكندرية بمصر، وإليها نقل جميع أعماله، وفيها توطدت علاقته بمواطنيه "جاسبار كاليجا" و"فرانسيسكو ريفاللو" اللذين كانا يعملان مصممي ملابس.

ورأى سيابارا أنه على الرغم من ذلك؛ فإن أغلب مسيحيي أوروبا في البلدان الإسلامية كانوا أسرى، وإن لم يكن عددهم الإجمالي معروفًا على وجه الدقة، ففي الجزائر يقال إن عددهم بلغ 2662 أسيرًا في العام 1767، بينما بلغ في تونس 2000 أسيرٍ العام 1780، وكان الأسرى المالطيون هم الأقل عددًا مقارنة بنظرائهم من الجنسيات الأوروبية الأخرى، ففي العام 1722 كان عدد الأسرى المالطيين 106 أسرى، فيما كان الإسبان العاملون في قلعة "بيرسيديوس" هم الأكثر عرضة للوقوع في الأسر، وكان من بين الأسرى المسيحيين رجالٌ ونساءٌ عاديون خطفوا بعد غارات شنّها القراصنة المسلمون في عمق الأراضي المسيحية، هذا.. فضلًا عن أسرى قادتهم ظروف عملهم للوقوع في الأسر كالصيادين والبحارة، مثال ذلك الإسباني من جزيرة "مالاقا" الذي يدعى "خوان جيوفاني إكزيمينيس"، الذي وقع في أيدي قراصنة جزائريين بينما كان يعمل في نقل الجير على الناقلة البحرية "أليكزوما".

وبمجرد وقوع الأسير في أيدي خاطفيه يُخْضعُ لعملية تفتيش دقيقة، ولا يكاد يمرّ عليه بضع ساعات إلا ويتم عرضه شبه عارٍ في مزادٍ علنيّ؛ قبل أن تُفحصُ أسنانه لمعرفة عمره، ثم يديه لمعرفة ما إذا كان معتادًا على الأعمال اليدوية الشاقة أم لا! وكان المشتري يلجأُ لقارئ كفٍ ليعرف إلى أي أمدٍ سيعيشُ الأسير ومدى قدرته على الفِرار! وكان سعر الأسير يتحدد طبقًا لحالته الصحية وطبيعة الأعمال التي ستوكل إليه، وكانت طبقةُ النبلاءِ ورجال الدين والفرسان والفتيات الصغيرات والحرفيين، هي الفئة الأعلى سعرًا.

ولفت إلى أن المجتمع المسلم كان أكثر انفتاحًا ـ من الناحية العقلية ـ من نظيره المسيحي؛ بل إن البون بينهما كان شاسعًا بحق، ويؤكد هذا "أنتونيو ريكسياردي" القبطان في البحرية المالطية بقوله "لا تمييز من أي نوع في الشرق"، ولا اعتبار لكونك مسلم المولد أم لا، فشجاعة المرء ولباقته وما يمكنه تقديمه لمجتمعه، كلها عوامل تضعه في المكانة التي يستحقها.

وكانت مدينتا تونس والجزائر نموذجين لتعايش سلمي بين بشرٍ من جنسيات وأعراق مختلفة، ولم تسجل في أي من المدينتين حالة واحدة تدل على كراهية الأجانب، لذا؛ فإن كثيرًا من المسيحيين المنتمين للطبقات الدنيا في أوروبا، وجدوا في الأمر فرصة نادرة لتكوين ثروات، وللارتقاء في الهرم الاجتماعي بما يملكونه من مواهب لم تشفع لهم في مجتمعاتهم الأصلية، وذلك على غرار الفرنسي "أنطوان دوما" الذي كان تاجرًا يشار إليه بالبنان، وليس ذلك فقط، بل إن كثيرًا من المسيحيين الذين اعتنقوا الإسلام أصروا على العمل في خدمة البحرية العثمانية لمساعدة المسلمين في أسر المسيحيين، بدافع الانتقام من إذلال ومعاملة سيئة لقوها ممن كانوا بني وطنهم.

الهروب من الفقر وتدني مستوى المعيشة في أوروبا إلى أرض الإسلام؛ حيث الحياة الكريمة والعيش في رغد، له أمثلة عدة أبرزها الصياد الشاب الإيطالي "أوليدج علي" المكني بـ "ملك الجزائر"؛ نظرًا للمكانة التي وصل إليها والثروة التي كونها، أما المالطي "ماتيو أرينا"؛ فقد فرّ إلى تونس بعدما أضناه الجوع، وأصبح كل ما يحلم به ارتداء ما يستر عورته، بل حتى "جيسيب فوتي" ـ الذي تحدثنا عنه سابقًا ـ الذي عمل في شبابه جنديًا بالبحرية الإيطالية؛ فقد كان يتحدث دومًا عن المعاملة اللا إنسانية من رؤسائه الأوروبيين، التي بلغت حدّ تقييده بالسلاسل لإجباره على العمل، فيما يؤكد المؤرخ الفرنسي "فرناند بروديل” (1902ـ1985) أن الجنود الإسبان في قلعة "بريسيديوس" كانوا يعتنقون الإسلام للهرب من حياة لا تُطاق وديونٍ لا تنتهي، وعقيدةٍ ـ من وجهة نظر أحدهم ـ "تعاقب الضحية وتكافئ الجلاد".

وبدأ آن دوبرا أستاذ الأدب الفرنسي والأدب المقارن بجامعة السوربون دراسته "خيالات ورسميات عن تجربة الأسر.. مثال العائدون من الجزائر 1575 ـ 1642" بفقرة من "دون كيشوت" لميجويل دي سرفانتس يقول فيها "قدّم جندي إسباني أسير يدعى سافيدرا أعمالًا بطولية للحصول على حريته؛ ما خلّده في ذاكرة بني وطنه أمدًا طويلًا، ولو لم يكن الوقت فقط حائلًا؛ لقصصت عليكم حكايته التي ستصيبكم بالدهشة والإعجاب؛ بأكثر مما حدث معي على المستوى الشخصي".

واستدرك دوبرا متسائلا: هل كان ذلك الجندي له وجود حقيقي بالفعل؟ وهل كان حقيقيًا أولئك الأسرى الآخرون الذين كانوا معه، وأثروا أعمال سرفانتس الأدبية شهودًا معاصرين على تجربة أسره بالجزائر؟ وقال "على أية حال؛ فإن "سافيدرا" ورفاقه (حقيقيين كانوا أو من نسج خيال أحدهم)، وما قام به ذلك الجندي الإسباني من أجل الحصول على حريته؛ موجودون في أعمال سرفانتس منذ الاستيلاء على السفيتة EL SOL (الشمس بالإسبانية) التي كان على متنها ذلك الأخير العام 1575؛ وحتى تخليصه من الأسر العام 1580، وأصبحت تجربة سرفانتس في الأسر بمثابة "فكرة ثابتة" ارتكزت عليها معظم الدراسات الحديثة، التي هدفت لإبراز السمة الأساسية لها في إطار سماه "خوان جوتيزيللو": "رؤيته المعقدة والمعجبة بإسبانيا".

وأضاف أنه بقراءة رواية أو أخرى على تلك الشاكلة لهذا المؤلف أو ذاك؛ يمكن أن نعرف كيف أن هذا النوع "بمساعدة الكود الروائي الخاص بكل مؤلف"، أدى دورًا فاعلًا في بناء تدريجي لنمط روائي مثالي لتجربة الأسر، وما نودّ توضيحه؛ هو الدور الذي لعبته الوثائق التاريخية وما نتج على أساسها من خيالات في تطور أنماط روايات تجارب الأسر في أوروبا في الفترة ما بين نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن الثامن عشر.. ذلك النوع من الروايات كان بمثابة حجر أساس لتاريخ أدبي مثالي، فالوثائق التاريخية أو "الشهادات الخارجية"، كما اصطلح على تسميتها، كانت تعضّد ما يود الكاتب توصيله من خلال شخصيات روايته الذين يتشابهون مع أشخاصٍ عاشوا بالفعل تجربة الأسر، ولعلّ خيرَ مثالٍ على ذلك "حوار الشهداء"، ذلك الجزء المهم من مجلد "طوبوجرافيا وتاريخ الجزائر بشكل عام" للقس "دييجو دي هايدو"، الذي عاش هو نفسه تجربة الأسر.

أما سرفانتس؛ فقد اعتمد على وثيقتين تاريخيتين بالإضافة لتجربة أسره هو شخصيًا ليوثّق ما حدث في الجزائر، وذلك في روايته "المعلومات" التي كتبها لأول مرة العام 1578؛ حيث لم يراوح محبسه، ثم أعاد كتابتها مرة أخرى بعد حصوله على حريته العام 1580، وكان مؤلف “دون كي شوت” يهدف إلى تصوير نماذج لأعمال بطولية للأسير المسيحي عند المسلمين، فضلًا عن توثيق واقعه هو شخصيًا على مدار خمس سنوات أمضاها أسيرًا في الجزائر. وهو ما ارتكز عليه الكتاب الفرنسيون كثيرًا في القرن التاسع عشر، ولكن من زاوية أخرى؛ فإن معاناة البطل المسيحي الأسير في الجانب الآخر من المتوسط؛ كانت بالنسبة لهم تجسيدًا يرمز لوحشية وقسوة العدو المسلم، وبالتالي إيجاد مسوغٍ أخلاقي وربما قانوني لاحتلال الجزائر العام 1830.