عبث إخباري

تعلمت صحف ومواقع إلكترونية طريقة سهلة لممارسة العبث الإخباري، واختلاق الزور والبهتان في ما لم يحصل أصلا والتحدث عنه بوصفه خبرا حدث وتحرك فيه الشخوص بمسميات معروفة وصرحوا وذهبوا إلى المحكمة وقالوا وبرروا وعبروا عن استيائهم وغضبهم وسعادتهم أيضا.

تلك قصص صحافية شائعة وتحمل أسماء معروفة وأماكن حقيقية، لكنها مفبركة ومن دون زمن. الأمر الذي دفع مارتن بارون المحرر في صحيفة واشنطن بوست إلى القول “إن هناك حرباً شعواء ضد الصحافة، وضد مبادئ التحقق نفسها”.

سبق وأن كشفت دراسة حديثة أجراها معهد الصحافة الأميركي، عمّا يمكن أن يسمى بالتفتت في انفصال القصص الإخبارية الفردية عن مصدرها. فلم يعد يهم القراء المصدر الأصلي لأي مقالة بقدر ما يهمهم من في شبكتهم شارك بها.

كان بوسع القراء من قبل أن يميزوا بسهولة بين المصادر غير الجديرة بالثقة، مثل صحف الأحزاب والنشرات الصفراء والمصادر الموثوقة كالصحف الراسخة. والآن، على النقيض من ذلك “قد لا تبدو مقالة شارك بها صديق أو أحد أفراد الأسرة مختلفة كثيرا عن مقالة منشورة في مدونة تروّج لنظرية المؤامرة”، وفق دراسة معهد الصحافة الأميركي.

تأليف مثل هذه القصص المفبركة لا يحتاج أكثر من خيال صحافي متوسط ومعرفة بالشخوص المطلوب تناولهم سواء بالإساءة إليهم أو الرفع من شأنهم، وكلا الأمرين غش مفضوح وسخيف. وقد تكون نتائجهما السلبية ذات آثار مهلكة.

تمارس مواقع إلكترونية وصحف وتلفزيونات مثل هذا الغش الإخباري بطريقة عابثة وبلا شعور بالمسؤولية الأخلاقية من أجل أهداف أنانية ضيقة لا أكثر، ويستهلكها الملايين مع تفاوت نسبة تقبلها وتصديقها سواء من قبل الحكومات أو المستخدمين. وهو أمر يدعونا إلى استشعار الأكاذيب في قصص إخبارية تنهال علينا بشكل صار فوق طاقة المستخدمين.

الآن بعد مرور كل تلك السنين على انتشار المواقع الإلكترونية تبدو أنها أقل براءة بكثير مِن تلك الفكرة التي كانت متداولة عن حرية تبادل المعلومات وشيوع الأخبار وخدمة المستخدمين المتعطشين للحقيقة!

وهذا ما دفع الكاتب فرانسيس ويلكنسون إلى اتهام المؤسسات الصحافية الرائدة بالتصرف أحياناً كما لو كانت تترفع كثيراً عن ألاعيب مهرجي الأحزاب السياسية، متسائلا عما إذا كان هذا يعد نوعاً من أنواع أفلام التجسس الرخيصة؟ إنه أمر لا يكاد يستحق النظر أو الاعتراف بوجوده، فضلاً عن سبر غور أساليبه وتكتيكاته.

عندما يتعلق الأمر بمؤسسات صحافية راسخة فإنه يمثل أقصى درجات الانحدار في زمن الأخبار الكاذبة والمفبركة، زمن ما بعد الحقيقة، لكنه يكشف عن نوع جديد من الأكاذيب تمارسه بشكل متواصل مواقع إلكترونية تتوالد بطريقة مثيرة من أجل هدف واحد لا أكثر، هدف اختلاق الأكاذيب ونشرها.

في غياب حارس بوابة وسائل الإعلام التقليدية، لم يعد الخطاب قائما على مجموعة مشتركة من الحقائق

ولاحظ راند والتزمان، الذي عمل في السابق في هيئة المشاريع البحثية الدفاعية المتقدمة الأميركية، بأن إضفاء الطابع الديمقراطي على عمليات إنشاء المعلومات وتوزيعها، لا يخلو من فوائد، ولكنه ينطوي أيضا على مخاطر جسيمة، بدءا بضياع معايير التميز الصحافية، كتلك التي تُفرَض عادة داخل المؤسسات الإعلامية الراسخة. ففي غياب حارس بوابة وسائل الإعلام التقليدية، لم يعد الخطاب قائما على مجموعة مشتركة من الحقائق.

وترى سالي ليهرمان الباحثة في جامعة سانتا كلارا أن “عالم اليوم المتصل بالإنترنت، أصبح فيه التثبت من مصداقية المعلومات أمراً أكثر صعوبة”.

وتشير ليهرمان المسؤولة عن مشروع عالمي أطلقه فيسبوك وغوغل لتوحيد جهودهما في المساهمة للتصدي لانتشار الأخبار والمعلومات الكاذبة، إلى أن الجمهور يصبح أكثر فأكثر تشكيكاً فيما يصله من معلومات.

إن التحيز صفة بشرية غالبة وجهود ضبطها واحتوائها، وتقييدها هي من أعمال المؤسسات في المقام الأول، وفق ويلكنسون، لكن كيف لنا كمجتمع إعلامي أن نمنع سيطرة مثل هذه الأكاذيب على ثقة الجمهور، ذلك ما يعني الحديث عن مدونة أخلاقية ورقابية على ما ينشر، وهو أمر أصعب من أن يتحقق في الوقت الحاضر. لأن الحاجة إلى التيقظ المتوازن والمنصف لم تعد كافية.

يُعرّف فرانسيس ويلكنسون في مقال له في “بلومبيرغ” الصحافة بفن التحقق من الأخبار. ويستدرك بالإشارة إلى وجود قوى خفية تحاول عكس توجهات التحقق نحو الوراء.

ويحدث هذا عندما تتعامل مع الحقائق التي تأكدت مزاعمها وتحاول إضفاء المزيد من الشكوك عليها. ويُطلِق هذا الأمر نوعاً من الطاقات (مثل الجدال، والسخط، وحرب الثقافات، وردود الفعل العنيفة) والتي تستخدمها بعض الأطراف في خدمة أهدافها السياسية.

إذا كان الرفض جماعيا لتحويل مواقع فيسبوك وتوتير وغوغل إلى حصان طروادة يجري من خلالها استغلال خصوصية الأشخاص سواء داخل أو خارج الحكومات، فإن تحدّيًا آخر يكمن في قبول ما ينشر من أكاذيب في وسائل إعلام منتشرة ويعامل كالحقائق، السؤال: من ينبغي أن يتحمل مسؤولية إيقاف حدوث ذلك.

فليس فيسبوك وحده من يوضع في خانة الشرير بشأن الأخبار الكاذبة والتلفيق المتواصل، هناك ما هو أكثر في مواقع إلكترونية وصحف ومحطات تلفزيونية لا يمكن وصفه إلا بالعبث الإخباري في عصر التضليل، لأن من يقفون خلفه لا يمارسون غير العبث وبإدراك ووعي مقصودين، مشكلين خطرا مضاعفا، لأنهم يكذبون من أجل الكذب وحده لا غير.