الضعف العربي والتوسع التركي والإيراني

الاسلام التركي يقترح أن يعيش الاسلام جنبا الى جنب مع الانسان. فالانسان يخطئ ويسكر ويزني ثم يدخل المسجد ويتوب. وهو في كل الاحوال مسلم لا يجوز تكفيره أو قتله.

الأتراك يقترحون ألا يلغي الاسلام الانسان. يرفضون إلغاء الدولة العلمانية وتطبيق الشريعة بل يبقى الاسلام جزءا من الحياة السياسية كون الدولة مسلمة بالهوية والتاريخ.

هذا نموذج خطير وليس عندنا حل لمواجهته في هذه الحالة سوى القومية العنصرية والدكتاتورية. بطش وعروبة. نفس سياسة صدام حسين في مواجهة الخميني.

إن الأتراك لا يلغون الدولة العلمانية ولا يحرمون العلماني من حياته العصرية. كل ما هنالك أن الدولة تحمي الحق بأن يكون الانسان مسلما أيضا، وأن يعيش حياته الشخصية كمسلم، وأن يكون له الحق بالمشاركة في الديمقراطية، أي أن يكون لديه حزب سياسي يعبر عن رغبته ومصالحه.

وهنا نجد أنفسنا أمام اشكالية عويصة خصوصا نحن أمام بلد كان يقود العلمانية الفولاذية في الشرق. إن رفع صور أتاتورك على الجدران بتركيا جنبا الى جنب مع اردوغان تعني أن التركي العلماني يعيش جنبا الى جنب مع التركي المسلم.

ومن ناحية نظرية ماذا يقترح العرب؟ هل نريد أن يُقتل التركي المسلم ويبقى التركي العلماني فقط؟ نحن ليس عندنا علمانية ناضجة كتركيا وليس عندنا نظام ديمقراطي كتركيا.

مشكلتنا مع تركيا هو في فهم الاخوان المسلمين الخاطئ لتجربتها فهم يصرون على كونها عثمانية. ذلك الفهم الذي عبر عنه الشيخ يوسف القرضاوي حين وصف أردوغان بأنه "أمير المؤمنين" أي هو ينظر اليه كخليفة والحقيقة هو رئيس في دولة علمانية هي الجمهورية التركية الحديثة وليست خلافة على الإطلاق.

وكما يقول صديق عاش في تركيا "لو حصلت لك زيارة لتركيا وبقيت فيها عدة شهور وبحكم حصافتك ستجد ان الاسلام التركي مجرد مظاهر شكلية. وبالاحرى فهو اسلام يأخذ طابعا قوميا اكثر مما هو طابع ديني. الخطاب الاسلامي التركي حين يركز على القوميات الاخرى كعرب او كرد فهو مجرد خطاب اعلامي سياسي يخلو من حقيقته وصدقه."

لاحظ هذا الخطاب لمثقف عراقي مسلم من الأنبار. يقول مثلا "اسلام مجرد مظاهر شكلية" ويقول أيضا "اسلام يخلو من حقيقته وصدقه". السؤال كيف يعرف ابن الأنبار "الاسلام الصادق الحقيقي؟" إنه ببساطة يعرف الاسلام السلفي الوهابي ويقارن أشكال الاسلام الأخرى به. مثلا هو كابن قبيلة ومسلم ينظر الى حرية المرأة كمقياس للإسلام الحقيقي الصادق. وهذه هي اشكالية اسلام القبائل السلفي عموما مع اسلام الشعوب والحواضر.

هذه العقلية القبلية متطرفة بطبيعتها وثنائية القطب. فإما اسلام سلفي أو علمانية متطرفة مثل صدام حسين تماما. في الثمانينات من القرن الماضي كان يشنق الشباب بتهمة الصلاة واللحية وفي أواخر حياته صار عبدالله المؤمن ومات بلحيته مشنوقا حاملا القرآن.

بالنسبة لطهران هناك اشكالية أيضا. مثلا أنا أعرف صديقتي السابقة جيدا. من عائلة طهرانية متحررة جدا. وهي رسامة وفنانة إلى درجة أن متحف طهران اشترى منها سجادة تبريزية صنعتها بيدها لعام كامل. وطوال حياتها تسافر الى أوروبا. لم تعجبها الحياة بكندا فعادت الى طهران. ونحن نسمع عن فوز السينما الايرانية مثلا بجوائز عالمية وتطور العديد من الفنون هناك كالموسيقى.

بغض النظر عن كلام الجرائد لو كانت الحياة هناك اسلامية متشددة لما بقيت فيها أسبوعا واحدا. أعرفها جيدا وعشت معها. لكن الواقع هي تعيش هناك منذ سنوات طويلة وترسل لي صورها كصديق. حياة اجتماعية طبيعية جدا. هذه أمور تجعلك تشعر بوجود ثغرة بين الدعاية السياسية والحياة الواقعية. بين فهمنا للأشياء وبين الأشياء على طبيعتها الملموسة.

مشكلتنا مع تركيا وطهران ليست ثقافية ولا حضارية فهذه شعوب عملاقة ذات وزن ثقافي واقتصادي وجغرافي لها كل الحق باختيار الطريقة التي تعيش بها. المأساة في الضعف العربي الذي جعل هذه الدول تتدخل في شؤون الدول الأضعف. إن التوسع التركي والايراني في المنطقة العربية باستخدام الاسلام كآيديولوجيا هو الذي يهدد الدول العربية واستقرارها ويجعل المنطقة في حالة انهيار دائم.