متى تكون القدس لنا؟

لن أقول إنّ الدعوات إلى المقاطعة والاستنكار والتنديد والإدانة على إثر الإعلان الأرعن للرئيس الأميركي دونالد ترامب حول القدس مجانبة للصواب، لكنني في حيرة كبيرة من الأمر التالي: كيف يكون شخص عربي مسلم، تونسي أو من جنسية عربية أخرى، أو هيئة عربية مسلمة أو حكومة في بلاد عربية مسلمة، في الآن ذاته قابعا، ولمدة عقود، في وضع فكري ومعنوي ومادي يتسم بالعزلة شبه التامة عن أيّ مناخ حركيّ يستهدف التمكين الحضاري وتقوية النفس بشكل يُضعف شيئا فشيئا ومع مرور الزمن الكيان الغاصب، كيف يندهش هؤلاء حين يَصدر عن دونالد ترامب أو عن غيره من الزعامات الموالية للكيان الصهيوني إعلانُ القدس عاصمة لأيّ كيان يرغب فيه، سواء أكان في الهند أو في السند؟ ما الذي بذلناه من جُهدٍ سابق ومُدخٓلات سابقة بصفتنا عربا ومستعربين حتى ننتظر عكس ذلك؟ ما الذي سبّقناه من عملٍ حتى نتوقع نتائجَ ومُخرجات مناسبة لآمالنا وتخدم مصالحنا وتتقدم بنا أشواطا على طريق مساندة ودعم الشعب الفلسطيني الشقيق حتى يستعيد أراضيه المسلوبة؟

اطلعتُ على بعض الآراء في هذا السياق لرُواد المواقع الاجتماعية من تونسيين وعرب آخرين والتي جاءت كردّة فعل على القرار الأميركي حول القدس. وبقدر ما أتفق مع الهاتفين أنّ "الشعب (التونسي) يريد تحرير فلسطين" وأضمّ صوتي إليهم حول ضرورة "تطوير أنفسنا" و"مقاومة الفساد" و"لا نريدها نصرة مناسباتية" وما إلى ذلك من الشعارات الفورية، إلا أنّ هذه الأخيرة ستبقى بلا روح طالما أنّ الحكومات العربية توجد في وضعٍ لا تُحسد عليه من التصحر متعدّد الأوجُه.

بالفعل، تفتقر الحكومات أوّلا وبالذات إلى الالتزام بعُروةٍ سياسية وُثقى لا انفصامَ لها، من شأنها أن تكون الخيط الرفيع الذي يربط بين سياساتها المحلية من جهة وسياساتها الإقليمية من جهة أخرى.

كما أنه ليس للحكومات عُروةٌ وُثقى لأنه ليس لها تصور للعالم تكُون هي لاعبٌ أساسي فيه.

أما غياب التصور فيعود إلى كَون مُفكري الطبقة السياسية تنقصُهم استطاعة التجسير بين الفكر الذاتي الموروث والفكر العالمي المعاصر، ما حَكَم على الفكر والسياسة بالارتجال والتذبذب.

ويُعزى جفاف الفكر السياسي العربي إلى أنّ السياسيين العرب، حكاما كانوا أم معارضين، قد اتخذوا حزمة الأمراض الوراثية، العقدية والأخلاقية والإيديولوجية، على أنها مواردُ أساسية للإبداع إن لم نقُل الإبداعُ بعينه. كيف لا يكون ذلك كذلك والحال أنّ الأسرة والمدرسة العربيتين كانتا ولا تزالان غير مُكترثتَين بلزوم تحرير ملكة الإبداع لدى الناشئة، ما جعل خرّيجي الجامعات عبارة على مُكرسين للحَوَل العقلي وبالتالي صانعين اعتباريين للفكر (العام والسياسي) المعوَجّ والمسخَّر للخدمة لحساب الغير (العدوّ الصهيوني مثالا) أكثر من خدمته لحساب نفسه.

زيادة على ذلك، ما من شك في أنّ سبب غياب مَنهجٍ سويّ لتنوير سبُل الإبداع لدى الصغار هو أنّ مكونات الأسرة والمدرسة لا يعرفون مَن هُم وما هو تاريخهم وأين كانوا وأين أصبحوا وأين أمسَوا وأين هُم ذاهبون، وبالتالي لا يعلمون لِمَ يَصلُح الإبداع.

هذا مما جعلَ الأمة العربية لا تتطور باتجاه مغادرة فترة المراهقة السياسية، في أفضل الحالات. فسواء إثر حرب حزيران/جوان 1967 ضد الكيان الصهيوني أو في حرب 1973 ضد نفس العدوّ أو إبّان فاجعة اليوم، لا تزال الشعارات إزاء القضية العربية الأُمّ هي نفسها. وحتى إن تغيّرت الشعارات شيئا ما فالموقف الرسمي سجّل زيادة في النفاق في الوقت الذي سجّل فيه الموقف الشعبي تناميا للحماس الطفولي لا غير.

أخلصُ إلى أننا ربما نعيش حقبة حَكَمنا فيها على أنفسنا بأن نحمِل أوزارَ الزمن الليبرالي وبأن نسمح لغيرنا بأن يقتادَنا عبر المَتاهة التي تنصبها عولمةُ الرفاهة والترفيه والوفرة، مُدمنين على تناول أقراص الهلوسة الحضارية لنكون أحياءً في الشكل وموتى في المضمون، ضاربين عرضَ الحائط (حائط المبكى!) كل ما من شأنه أن ينقذ مدينة القدس وفلسطين من التدنيس الحضاري.