هل يحسم السيستاني موقفه من الحشد الشعبي بعد التحرير من الجهاديين

ماذا سيكون القرار

بغداد - أُسدل الستار على الحرب ضد الدولة الإسلامية وعمّت المدن العراقية احتفالات واسعة بعد إعلان رئيس الوزراء حيدر العبادي الانتصار، وحانت ساعة الحقيقة لفصائل "الحشد الشعبي"، فهل سيلغي المرجع الشيعي علي السيستاني فتوى "الجهاد الكفائي"؟

السبت الماضي أعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي طي صفحة الدولة السلامية في العراق وقرر أن يكون الأحد الماضي عطلة شهدت احتفالات رسمية وشعبية فرحا بالانتصار على المتطرفين بعد ثلاث سنوات من المعارك كلفت البلاد الكثير من التضحيات والدمار، وفي خطاب الانتصار الذي قرأه العبادي على العراقيين لم ينس تقديم الشكر إلى المرجع الشيعي علي السيستاني.

واليوم تتجه الأنظار إلى السيستاني صاحب الفتوى الشهيرة بالقتال ضد التنظيم ومع انتهاء المعارك ضد المتطرفين يتساءل الجميع هل سيصدر الرجل المعتكف في منزل متواضع في مدينة النجف قرارا بإلغاء الفتوى أم أن له رأياً آخر.

ومنذ أيام يتوافد المئات من العراقيين إلى منزل السيستاني يقدمون الولاء والشكر له، فالرجل الذي يتمتع بشعبية واسعة بين العراقيين لا يحبذ الظهور أمام الإعلام، ويرفض تدخل المؤسسة الدينية في السياسة، ولكنه كان حاضرا بقوة في أزمات وطنية واجهت البلاد على مدى السنوات العشرة الماضية.

وفي استبيان أجري لأفضل شخصية في العراق عام 2015 حصل السيستاني على المرتبة الأولى ونال نسبة 41 بالمئة من نسبة المصوتين للاستطلاع الذي شمل تسعة شخصيات سياسية عراقية.

في العاشر من حزيران (يونيو) العام 2014 وبعد ثلاثة أيام من الهجوم الكاسح الذي شنه المتطرفون على البلاد ووصلوا إلى ضواحي العاصمة بغداد بعد انهيار قوات الجيش العراقي، اصدر السيستاني قرارا تاريخيا للمرجعية الشيعية في العراق على مدى المئة عام الماضية، ودعا العراقيون بالتطوع لوقف تمدد الدولة الإسلامية ولم تمض ساعات حتى لبى الآلاف نداءه وتطوعوا مجاميع، ولكن القرار اخذ مسارات مختلفة لم تكن في حسابات السيستاني نفسه.

فتوى السيستاني أفرزت وجود أكثر من (40) فصيلا مسلحا شيعيا يقدر عددها بنحو (100) ألف مقاتل ينتظمون في هيئة أطلقت عليها الحكومة اسم "الحشد الشعبي" لتكون مؤسسة أمنية إلى جانب قوات الجيش والشرطة، لها قانونها الخاص، ولعبت هذه الفصائل دورا كبيرا في هزيمة المتطرفين.

ومنذ أشهر يتصاعد السجال حول مصير هذه الفصائل حتى أصبحت تحديا يواجه البلاد، وبينما تسعى الحكومة إلى تنظيمها وتحويلها إلى قوة رسمية تابعة إلى الدولة، ترفض قوى شيعية ذلك وتسعى إلى أن تكون قوة مستقلة، ولهذا ينتظر الجميع موقف السيستاني بفارغ الصبر.

"انقلاب على فتوى السيستاني"

تعود فكرة إنشاء تشكيلات مسلحة شيعية إلى العام 2003 الذي شهد أول شرخ ديني شيعي في العراق منذ عقود، فالمرجع الأعلى لشيعة العراق السيستاني رفض الضغوط التي مورست عليه من رجال دين إيرانيين لإصدار فتوى دينية لمحاربة القوات الأميركية باعتبارها قوات محتلة.

ولكن إيران تجاهلت السيستاني وأنشأت قوات "جيش المهدي" بزعامة رجل الدين الشاب المتحمس آنذاك مقتدى الصدر، وتعتبر هذه القوات الأب الروحي للفصائل الشيعية الموالية لإيران حاليا على الرغم من إن مقتدى الصدر أعلن بعد سنوات تخليه عن الدعم الإيراني.

السيستاني اضطر تحت ضغط خطر الدولة الإسلامية إلى اتخاذ قرار للتطوع ومساعدة الجيش والشرطة، ولكن القرار لم يطبق كما كان يرغب السيستاني، وقامت فصائل موالية للمرشد الإيراني علي خامنئي بتأسيس فصائل مسلحة تقاتل بشكل مستقل، وفقا لرجل الدين جابر المحمداوي.

ويقول المحمداوي وهو رجل دين مستقل يعمل في تدريس المذهب الشيعي في النجف إن السيستاني كان يريد أن يكون المتطوعون تحت إمرة الحكومة والجيش ولكن الفوضى التي عمت الحكومة مع انهيار الجيش سمحت بتشكيل فصائل مستقلة".

ويضيف إن "فتوى الجهاد الكفائي ضد داعش واضحة، وتعني بأنها مؤقتة وليست دائمة وتنتهي مع انتهاء خطر المتطرفين، فالسيستاني يرفض وجود قوة عسكرية خارج إطار الدولة، ويرفض مشاركة المقاتلين في السياسة والانتخابات، كما انه لم يتحمس إلى قرار البرلمان بتحويل الحشد الشعبي إلى قوة مستقلة".

وفي تشرين الثاني (نوفمبر) العام الماضي مررت الكتل الشيعية في البرلمان قانون "الحشد الشعبي" رغم مقاطعة الكتل السنية، وتضمن القانون ثلاث مواد قانونية فقط لا توضح بشكل تفصيلي طبيعة المهام الأمنية لهذه القوات، فالقانون يؤكد فقط على أن الحشد قوة أمنية رسمية لكنه لا يفسر هل هي قوات عسكرية مشابهة لقوات الجيش تختص بالقتال في الجبهات، أم هي قوات شرطوية تختص بحفظ الأمن داخل المدن؟

ومن المرجح أن يعلن السيستاني الجمعة المقبل خلال صلاة الجمعة موقفه من الفصائل الشيعية، ومصير فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها قبل ثلاث سنوات، ولكن الضغوط كبيرة على السيستاني وقد يتجنب الحديث عن ذلك، وفقا للمحمداوي.

"الحشد الشعبي" وإيران

تكمن مشكلة الحكومة في التعامل مع الفصائل الشيعية بأنها فصائل ليست متجانسة، فهناك خلافات عقائدية وسياسية كبيرة بينها وتصنف إلى ثلاثة أقسام.

القسم الأول هي القريبة من إيران وترتبط دينيا بالمرشد الإيراني علي خامنئي وعددها أكثر من 20 فصيلا مسلحا وأبرزها منظمة "بدر" و"عصائب أهل الحق" و"كتائب حزب الله" و"سرايا الخراساني"، و"النجباء" و"كتائب الإمام علي" و"كتائب سيد الشهداء" وهي الفصائل الأقوى والأكثر تسليحا من بين باقي الفصائل، وهي لا تحترم قرارات الحكومة كثيرا وتنتقدها أحيانا.

ويشرف "الحرس الثوري الإيراني" بقيادة قاسم سليماني على عمل هذه الفصائل بمساعدة قادة عراقيين مقربين من إيران وأبرزهم هادي العامري زعيم منظمة "بدر"، وقيس الخزعلي زعيم "عصائب أهل الحق"، وأبو مهدي المهندس زعيم "كتائب حزب الله"، وهذه الفصائل تعتبر العراق وسوريا ساحة حرب واحدة، ولها طموحات سياسية وتستعد للمشاركة في الانتخابات المقبلة.

القسم الثاني من الفصائل الشيعية هي تلك التي أسسها المرجع الشيعي علي السيستاني ويقوم بتمويلها بنفسه وأبرزها "فرقة العباس القتالية" و"لواء علي الأكبر" و"سرايا العتبة العباسية" و"سرايا العتبة العلوية"، و"سرايا العتبة الحسينية".

وهذه الفصائل لا تمتلك طموحات سياسية، ووضعت مقاتليها تحت تصرف الحكومة، وكانت مهمتها مساعدة القوات الأمنية في القتال ضد الدولة الإسلامية وحماية المدن التي يتم تحريرها من عودة المتطرفين، وتمتاز هذه الفصائل بقلة عدد مقاتليهم وضعف تسليحهم، ورفضت المشاركة في الحرب الدائرة في سوريا، كما أنها أعلنت عن تفكيك تشكيلاتها بعد انتهاء مرحلة الدولة الإسلامية.

القسم الثالث من الفصائل الشيعية هي المرتبطة بالأحزاب الشيعية التقليدية، وأبرزها "سرايا الجهاد والبناء" و"سرايا عاشوراء" و"سرايا أنصار العقيدة" التابعة إلى "المجلس الأعلى"، و"سرايا السلام" التابعة إلى التيار الصدري وهي قريبة إلى الحكومة العراقية.

أمام وسائل الإعلام تؤكد الفصائل القريبة من إيران احترامها للحكومة، وأعلنت "عصائب أهل الحق" و"كتائب أبو الفضل العباس" الأحد الماضي استعدادها لوضع مقاتليها تحت تصرف الحكومة، ولكنها في الواقع تعارض قرارات الحكومة، وتؤكد وقائع السنوات الثلاثة الماضية ذلك.

وعلى سبيل المثال في شباط (فبراير) العام 2016 اصدر رئيس الوزراء حيدر العبادي أمرا بتعيين الفريق الركن محسن الكعبي (قائد سابق للشرطة الاتحادية) بديلا عن أبو مهدي المهندس في محاولة من الحكومة للسيطرة على إدارة الحشد.

ولكن الفصائل الموالية لإيران رفضت القرار بشدة، وهددت "كتائب حزب الله" الحكومة، وقالت في بيان إن "فصائل المقاومة الإسلامية والحشد هي فصائل عقائدية جهادية لها سياقات إدارية وتنظيمية تختلف عن السياقات الكلاسيكية المتبعة في المؤسسة العسكرية".

في آذار (مارس) 2015 رفضت الفصائل الشيعية مشاركة طيران "التحالف الدولي" في عملية تحرير تكريت برغم أن الحكومة والجيش يؤيدان مشاركة "التحالف الدولي"، وحصلت خلافات بين زعيم الفصائل الشيعية هادي العامري وبين قائد الجيش الفريق عبد الوهاب الساعدي، واضطر العبادي إلى إبعاد الفريق الساعدي من مهامه العسكرية تلبية لطلب "الحشد الشعبي".

وحينما قررت الحكومة العراقية في تموز (يوليو) 2015 تحرير مدينة الرمادي في الأنبار، رفض "الحشد الشعبي" القرار واختار أن يتم تحرير الفلوجة أولا، وأدى هذا الخلاف إلى تأخر تحرير المدينتين ثمانية أشهر.

ولكن تفكيك "الحشد الشعبي" اليوم واجه صعوبة كبيرة خصوصا وانه يضم نحو (100) ألف مقاتل وجدوا في التطوع فرصة للحصول على فرصة عمل وسط أزمة مالية أجبرت الحكومة على تقليص الوظائف إلى الثلث خلال السنوات الثلاث الماضية، ولهذا تدرس اليوم إيجاد حلول بديلة وأعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي أن "الحشد الشعبي" سيبقى قوة أمنية.

النائب عن "ائتلاف دولة القانون" عباس البياتي القريب من رئيس الحكومة، يقول إن "الحشد الشعبي قوة رسمية تابعة إلى الدولة ولا يجب حلها، ولكنها تحتاج إلى إعادة تنظيم لتكون قوة أمنية إلى جانب الجيش والشرطة تأخذ قراراتها من رئيس الوزراء فقط، وهي تجربة موجودة في الكثير من الدول، فالولايات المتحدة تمتلك قوات الحرس الوطني إلى جانب الجيش والشرطة وكذلك في المملكة العربية السعودية".(نقاش)