البابا فرنسيس صحافيا

حيال نظرة الاحتقار والرفض والانحياز المتصاعدة والمستمرة لوسائل التواصل الاجتماعي بسبب انتشار الكراهية وانتهاك الخصوصية والتشويش والتفاعلات بالابتسامات الوهمية، ثمة ما يبعث على الأمل وسط كل هذه الخيبة التي نعيشها رقميا.

إنه طريق يعيد لأعصابنا شيئا من الهدوء والرغبة بالتأمل وسط التفاعلات الفظيعة بين أطراف العالم التي بات كل شخص فيه يمتلك صوته الإعلامي الخاص.

الحساب الرسمي للبابا فرنسيس على تويتر مثلا، يعيد الحكمة المفقودة لتواصلنا الرقمي المستمر، ليس لأنه لا يعبأ بالركام الهائل من الانتهاكات اللغوية بين البشر التي أتاحتها الهواتف الذكية، بل لأنه لا يفقد الثقة بالعالم المسالم الرحيم المتآخي.

حساب البابا فرنسيس وقد بلغ عامه الخامس هذا الأسبوع احتفى بكونه مكانا غنيا بالإنسانية، داعيا أن تكون مواقع التواصل الاجتماعي كذلك.

ومثل هذه الدعوة صعبة التحقيق تحمل في طياتها أملا كبيرا يجعلنا على الأقل نضع الكراهية في الهامش، ليكون غنى الإنسانية هو متن وسائل التواصل الاجتماعي.

عندما يطالب البابا في تغريدة صغيرة بأن يُوضع العمل السياسي حقيقة في خدمة الشخص البشري والخير العام واحترام الخليقة، ويدعو لنعمل معا لكي يتمكّن الأطفال من النظر إلينا مبتسمين ويحافظوا على نظرة نقيّة مُفعمة بالفرح والرجاء. يزيد الأمل في وسائل التواصل بكونها أداة معاصرة وجدت من أجل خير البشرية، لكنها لسوء الحظ استثمرت بطريقة لعينة لتقسيم المجتمع.

هذا ما عبر عنه تشاماث باليهابيتيا هذا الأسبوع أحد أوائل المسؤولين التنفيذيين السابقين في فيسبوك، عندما أكد أن الشبكة الاجتماعية “تدمر التماسك الاجتماعي”، معربا عن شعوره بـ”الذنب الهائل” بشأن عمله السابق في فيسبوك.

باليهابيتيا الذي انضم إلى فيسبوك في عام 2007، لم يعد يسمح لأطفاله بالوصول إليه، معتقدا بأنه شارك في إيجاد أدوات تمزق النسيج الاجتماعي.

ووصف باليهابيتيا الزميل المؤسس لمالك فيسبوك مارك زوكربيرغ، العالم الرقمي بالسيء لأنه يفسد الأسس الأساسية لكيفية تصرف الناس تجاه بعضهم البعض.

إنني أبدو بعد هذا الكلام، كمن يعيد الأمل في تغريدات البابا فرانسيس من دون أن يغفل الاستياء والرفض المتواصل، فصعوبة الإقلاع عن مواقع التواصل أشبه بالإقلاع عن التدخين! كما سبق وأن وصفته الصحافية هانا جين باركنسون، وهي كاتبة في الموسيقى والتكنولوجيا والصحة النفسية في صحيفة الغارديان البريطانية، عاشت تجربة أربع سنوات بعد الإقلاع عن فيسبوك، ملتبسة المشاعر تشبه إلى حد كبير في نتائجها الإقلاع عن التدخين!

عادت هانا إلى حسابها لتعيد التفكير في دلالة أن يكون المرء ليس من مجتمع ملياري مستخدم الرقمي، التوقف عن مواقع التواصل لم يجعلها تشعر أنها بحالة جيدة، بل فجر لديها المزيد من مشاعر الفقدان!

إن الوظيفة التي وجدت من أجلها وسائل التواصل على اختلاف طبيعة عملها تشظت تحت وطأة ما يُعبّر به المستخدمون عن أنفسهم أو ما يريدون أن يصلوا إليه، لكن في النهاية لا يمكن أن تجعل من ملياري مستخدم أنقياء، مثلما لا يمكن أن تتهم كل سكان مواقع التواصل بالغباء.

التاريخ يمكنه تعليمنا شيئا مفيدا بالتوازي مع الهوس الرقمي، وفق تيم هارفورد الكاتب في صحيفة فايننشيال تايمز، وهو ألا نصاب بهوس معرفة فكرة الشيء الكبير التالي، أي المعجزة التكنولوجية التي تظهر في معزل والتي تعمل على تغيير وجه جزء من الحياة مع إحداث موجة صغيرة بالكاد في مكان آخر.

وهذا سبب منطقي يدفعني إلى استعادة الأمل في ما يدوّن وينشر على مواقع التواصل، وأن أنظر إلى كلام البابا كحكمة مستعادة للعالم المصاب بالخراب والحروب وارتفاع مستوى الكراهية.

أنظرُ إلى تدوينات البابا فرنسيس بوصفه يمارس الصحافة أصعب المهن من دون أن يفقد نبل الهدف، ويجسد شكلا من أشكال العدالة ليس في قيمه الدينية المعلنة بوضوح والتي يعمل من أجلها، ولكن أيضا بتدوينات على حسابه الرسمي هي شكل آخر للعدالة مثلما هي عمل صحافي لربط المجتمع في ديمقراطية من الأفكار وإعادة إنتاج الأمل المفقودين من عالمنا.

لسوء الحظ لا أجد مثل هذا الأمل المتمثل في كلام البابا فرنسيس في حسابات القرضاوي وخامنئي والعريفي والبغدادي والسيستاني وآل الشيخ، على الأقل لنعيد الثقة بسلوك رجال دين كانوا سببا في إشاعة الكراهية.

فبينما يستعين البابا فرنسيس في إحدى التغريدات بحكمة الله كي تساعدنا لنعرف كيف نستقبل ونقبل الذين يتصرّفون ويفكِّرون بشكل مختلف عنا، نرى أن فكرة الخلاف مدعاة للإقصاء والاجتثاث والقتل عند خامنئي أو القرضاوي.

بالأمس منحنا اللورد بيو رئيس اللجنة المستقلة للمعايير في الحياة العامة، التي تقدم المشورة لرئيس الوزراء البريطاني بشأن الأخلاق، دفقة أمل مضافة بقوله إن الإساءات على مواقع التواصل وإن كانت تصدر من أقلية من الناس، لا يمكنها أن تدفع إلى تأجيل النقاش خصوصا في السياسة، مؤكدا ان حذف المحتوى التخويفي في وسائل التواصل لا يتعلق بخنق النقاش “بل بضمان وجود ديمقراطية نشطة يشارك فيها الناس بطريقة مسؤولة تعترف بحقوق الآخرين في المشاركة ولوجهات نظر مختلفة”.

وسائل التواصل الاجتماعي أعادت تشكيل العالم، لنكتشف الخراب الهائل الكامن في أعماق المجتمعات، إلا أن كل ذلك الخراب غير قادر على حجب صوت البابا فرنسيس كأحد أصوات الأمل المتعددة في الإنسانية.