شكسبير رجل مخابرات!

ليس صعبا استعادة مشهد الأمس من أجل جعله معادلا لما يحدث اليوم في طريقة تفكير الحكومات بإدارة الدولة، إن كانت شمولية صارمة أو”ديمقراطية” افتراضية كما يحدث في بعض دول الربيع العربي التي تحول زهرها إلى بلاستيك رخيص.

كانت سلطة المخابرات آنذاك، تختار ما تشاء من عناصر الدولة وكوادرها بما فيهم الصحافيون، ولا يجرأ أحد على رفض الانضمام إليها خوفا أو ترددا، لكن صحافيا مشاكسا قرر أن يرفض ذلك التكليف ليس تحديا بل لأنه يشعر أن مكانه الصحافة ولا يصلح أن يكون عنصر مخابرات، حاول أن يقنع المسؤولين آنذاك في سلطة مركزية لا تتساهل، بأنه قادر على خدمة بلده أكثر عندما يكون في عمل يراه عظيما في الصحافة التي درسها وحصل فيها على شهادة عليا.

فشل في إقناع المسؤولين الذين لم يروا من قبل من يرفض الانضمام إلى جهاز حساس فيه من المزايا المغرية وطبيعة العمل ما يجعل التنافس عليه كبيرا، وقرروا أن يرفعوا الأمر إلى مدير جهاز المخابرات، فثمة صحافي يرفض بعناد الانضمام إلى هذا الجهاز الخطير! وضعوا ملفه أمام مدير الجهاز واقتيد أشبه بالذاهب إلى المحاكمة!

يصف هذا الصحافي لحظة دخوله إلى مكتب مدير جهاز المخابرات في ثمانينات القرن الماضي، بأنه كان أوسع من مكتب وأقل من قاعة كبرى جداره الأيمن من زجاج مطل مباشر على النهر ويمكن أن يرى الجالس فيه الموجات والزوارق، مكتب مخيف ويبعث على الرهبة جوار نهر هادئ يحمل آفاق الأمل.

سأل مدير الجهاز: لماذا لا تريد أن تصبح رجل مخابرات جيدا؟

– أنا صحافي جيد – يا سيدي- وأصلح للصحافة أكثر من أي عمل آخر.

رد عليه مدير الجهاز بعد أن استشاط غضبا، وماذا تظن نفسك؟ صحافي… صحافي… هل أنت شكسبير!

لفظ الاسم بطريقة متريفة وهدده قائلا إن لم تقبل أن تكون من ضمن رجالنا في المخابرات لن أخسر عليك سوى إطلاقة واحدة وأرميك كأي كلب مقتول في النهر!

نظر الصحافي فعلا إلى النهر متخيلا أن جثته سترمى فيه، وشعر بالخيبة المريرة لكون مدير أعلى جهاز حساس في بلاده يعتقد أن شكسبير كان صحافيا!

كان هذا المشهد بالأمس في الدول الشمولية عندما يتحول الصحافيون رغما عنهم إلى رجال مخابرات، أما في دول اليوم حيث تحكم البلاد أحزاب طائفية متخلفة، فقد تحول الصحافيون والمهندسون والاقتصاديون و… إلى رجال دين! نفس الصحافي الذي رفض أن يكون عنصر مخابرات بالأمس ينشر صورته اليوم خانعا ومتباهيا أمام رجل دين شاب معمم!

الدولة الجديدة غير مشغولة ببناء المؤسسات بقدر ما يسكنها هاجس التاريخ لتصنع رجال دين في حوزات منتشرة كما كانت المصانع في دولة الأمس، يا للمفارقة عندما يكون شكسبير صحافيا بالأمس والمهندس والصحافي رجل دين اليوم!