نصير من ضد من؟

المغيث والنصير في الحالات والاوضاع الصعبة والحرجة، عملة نادرة في الواقع ويصعب الحصول عليه بسهولة خصوصا وإن سير الحياة وعلى مختلف الاصعدة باتجاه المزيد والمزيد من الصعوبة والتعقيد. ومع إننا لا نقول بأن العالم قد خلي من ذلك لأنه "إذا خليت قلبت"، بيد إنه وفي نفس الوقت تزايدت حالات المغيث والنصير "المشبوه" أو بالاحرى "المزيف"، فصارت عملية الاغاثة والنصرة سببا ومسوغا ومدخلا لتحقيق أهداف وغايات على حساب المغاث بحيث تضاف على كاهله أثقالا أخرى بالاضافة الى الاثقال السابقة الرازخة عليه.

عندما وصل الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الى طهران مهنئا بالثورة الايرانية، تنفست الشعوب العربية والاسلامية الصعداء ظنا منها بأنها قد حصلت على نصير ومغيث "نوعي" لا مثيل له (وحقا إنه لا مثيل له)، وبدأت الندوات والكتابات والطروحات المختلفة تتناقل هنا وهناك عن التغيير الكبير الذي سيحدث في معادلة الصراع العربي ـ الاسرائيلي لصالح الاول، بل وقد ذهب الكثيرون أبعد من ذلك عندما إنتظروا لحظة تحرير كامل التراب الفلسطيني على يد آية الله الخميني!

المعادلة الآنفة حدث عليها تغيير كبير فعلا، ولكن أي تغيير ولصالح من؟ اليوم إذ صدم العرب والمسلمون بقرار ترامب بنقل السفارة الاميركية الى القدس، فإن السٶال الاكبر الذي يجب طرحه هو: ما الذي أوصل الحال الى هنا ولماذا تجرأت إدارة ترامب على الاقدام على هكذا خطوة متهورة؟ يجب أن نقر بأن العامل الاكبر الذي ساعد وحفز ترامب على ذلك هو حالة الضعف والانقسام والاختلاف الحاد الذي يشهده العالمين العربي والاسلامي. ومرة أخرى يأتي سٶال ملح ليطرح نفسه بقوة: لماذا الضعف والانقسام والاختلاف الحاد الذي يشهده العالمين العربي والاسلامي؟

طريق القدس يمر عبر كربلاء. طريق القدس يمر عبر بيروت. طريق القدس يمر عبر صنعاء. هذا ما كان يبشر به القادة الايرانيون طوال أكثر من 3 عقود، وتخلل ذلك أكبر عملية انقسام ذي شقين في الجانب العربي تحديدا: الاول، في الصف الفلسطيني والذي لازالت آثاره وتداعياته السلبية باقية لحد الان؛ والانقسام الثاني، بين السنة والشيعة من خلال الاسفين الطائفي الذي دقه النظام الايراني في الشارع العربي. فاليوم لا ينشغل العرب بل وحتى المسلمون بالعدو الخارجي بقدر ما انشغلوا بالعدو الداخلي المصمم والمصنع من قبل آيات الله في طهران، الذين قدموا نفسهم للعرب والمسلمين على إنهم نصير لقضاياهم، وقدموا نفسهم للشيعة أيضا على إنهم نصير لهم ضد ماقد لحق بهم من ظلم - بحسب زعمهم. ولكن هل كان حقا هذا النظام نصيرا؟

سٶال آخر نطرحه وندعو للتمحيص فيه: هل إن إسرائيل كانت أقوى قبل ظهور النظام الايراني أم بعده؟ قطعا ليس هناك من بإمكانه الزعم بأن إسرائيل كانت أقوى قبل ظهور هذا النظام، وانما بعده، وهم من قدموا الكثير من الخدمات لها بطرق مختلفة، وحتى إن موقفهم اليوم من عملية نقل السفارة الاميركية الى القدس، هو موقف مشبوه من ألفه الى يائه ويسعى لتسييسه وتوجيهه بما يتفق والمصالح الايرانية.

قطعا إن أكبر ضربة يمكن توجيهها لإسرائيل هو بسقوط ورحيل النظام الايراني والعكس صحيح، فبرحيله ستتغير الكثير من المعادلات المفتعلة وتعود الامور الى سياقها الطبيعي الذي حرفه هذا النظام كثيرا عن مساره الاصلي، وإن إسقاط هذا النظام ليس هو قدر للشعب الايراني المبتلى به منذ 4 عقود وانما صار أيضا قدرا لشعوب المنطقة والعالم، إذ أن نصير هو في الواقع عقرب سام جدا يختبأ بجلد قديس، صار معروفا للجميع ولم تعد العمائم والعباءات بوسعها خداع الناس.