حيدر العبادي في أيامه المقبلة

(الجماهير مثل النساء، تحب الرجال الأقوياء)

لن يستطيع سوى عالمٍ متضلع في تحليل النفوس وقراءة لغة أجسادها أن يخبرنا عن حقيقة الزهو الذي أصاب رئيس الوزراء حيد العبادي، هل هو طبيعي أم مفتعل، وهل يحق له أن يرتدي ثياب البطل الوطني المحرر المخلِّص البشير النذير، أم إنه عائم في شبر ماء.

ولو أجرى الرئيس العبادي أو مستشاروه دراسة أكاديمية معمقة لحقيقة الأحداث التي تَوهَّم بأنه صانعُها بذراعه وعقله وقلبه وعبقريته لتبين له ولهم أن الأحداث الثلاثة المهمة الجيدة التي حدثت في عهده، والتي أسعدت العراقيين، وأزاحت عنهم بعض الكوابيس، كانت ستحدث بوجوده أو بوجود غيره، حتى لو كان هذا الغير حجي راضي أو اسماعيل ياسين.

أما الحدث الأول فهو نهاية الاحتلال الداعشي لثلث الوطن. وقد كان تحرير الموصل آخر معارك النصر الأخير على هذا التنظيم الأحمق الذي توهم أنه قادر على قهر إرادة الذين اخترعوه وركّبوا أجزاءه المتناثرة، وسهلوا له الانتشار، ومكنوه من تهديد الباقي من العراق، والباقي من سوريا، ودولا عديدة أخرى في المنطقة، ما عدا إيران، ومَرَّروا له طوابيرَه الخامسة إلى أوروبا، بشكل خاص، واستخدموه لتركيع دولٍ وحكومات وأحزاب بعينها، ولاستنزاف أخرى. وحين أنجز مهمته انتهت صلاحيته للاستعمال، فقرروا رحيله، ورحل.

(بالمناسبة حصل العراق، في عهد حيدر العبادي، على ثلاثة مليارات وسبعمئة مليون دولار من المساعدات الأميركية، بزيادة قدرها ستمئة مليون دولار على ما تحصل عليه إسرائيل ذاتُها التي تعد الولاية الأميركية الواحدة والخمسين، وذلك لهزيمة داعش فقط لا غير.)

والحدث الثاني هو الانفراج النسبي الذي تحقق بين حكومة بغداد ودولٍ عربية مهمة، منها السعودية، ظلت منذ أيام احتلال الكويت عام 1990 تناصب العداء لعراق صدام حسين إلى يوم سقوطه في 2003. ثم اضطرت إلى مناصبة الحكومات المتعاقبة في العراق الجديد نفسَ العداء بسبب الوجود الإيراني الكاسح والصريح فيه، وتحوُّلِه إلى منصة إطلاق مؤامرات ودسائس وتدخلات واستفزازات ومخدرات ومفخخات إلى هذه الدول بهدف زعزعة استقرارها بإثارة النعرات الطائفية فيها، لإضعافها وتسهيل احتلالها، أو لاحتلال ما يتيسر من مدنها وقراها، كما حدث في اليمن وسوريا ولبنان. ومعروف أن هذا التقارب الجديد لم يكن مقدرا له أن يتم لولا قرارٌ إيراني أميركي مشترك تصعب معرفة غاية الدولتين (العدوتين الصديقتين) من صدوره، أيا كان رئيس الحكومة العراقية، وأيا كانت قدرته ومؤهلاته وخبراته، وأيا كان حزبه وطائفته وعِرقه ودينه.

أما الثالث فهو اللعبة المميتة التي استُدرج إليها رئيس الإقليم المنتهية رئاسته مسعود البارزاني، والتي دُفع لتولي قيادة تنفيذها، تمهيدا لإسقاطه، ولخلط أوراق الإقليم من بعده. وهذا الحدث الآخر أيضا كان سيحدث أيا كان الحاكم في بغداد، وأيا كانت مواصفاته.

وطبيعي أن تجعل هذه العواصف الثلاث جماهير العراقيين تنظر إلى حيدر العبادي باعتباره القائد الضرورة الجديد، والذي سيملأ الأرض عدلا ونزاهة ووطنية بعد أن ملئت جورا وفسادا وعمالة.

ومهما جادَلَنا كثيرون من الكتاب والمحللين المعجبن بشأن رئيس الوزراء فمما لا شك فيه أن لحكومة العراق الجديد أبوين اثنين واُمَّا واحدة، هما الحصانان الأميركي والإيراني، والفرَسُ العراقية الواحدة. فنصفه لإيران، ونصفه الآخر لأميركا، أيا كان رئيسها، ووفق مقدارٍ من التراضي والتوافق والتناغم المخفي، وبما تسمح به الظروف، رغم ما يبدو ظاهريا من وحدانية الوصاية الاحتكارية الإيرانية، والهيمنة الوحيدة لسلاح الحشد الشعبي على قرارات الحكومة الإسلامية ومشاريعها وتوجهاتها الحاضرة والمستقبلية.

والآن، وفي ضوء هذه الثوابت، فإن مأزق حيدر العبادي أعمق مما يعتقد أو يظن. فإن عليه، إن هو أراد البقاء في ثياب الامبراطور أمام جماهير العراق المنتصرة الصابرة، أن ينجزا ثلاثة انتصارات جديدة أهم من كل ما سبق، وهي:

أولا، قطع أوائل الرؤوس الكبيرة الفاسدة، حتى لو كانت من حزبه، وحتى لو كانت محمية بسلاح الحرس الثوري والحشد الشعبي علنا ودون مواربة. وفي هذه يبدو أن من الثابت المؤكد أنه لن يستطيع، ولا يريد. فمشاكسة القبضة الإيرانية الضاربة آخر ما يجرؤ عليه أو يفكر فيه.

وثانيا، جمعُ سلاح المليشيات وتسليمُه للدولة. وهو في هذه أيضا عاجز، تماما، حتى بعد أن استنجد بالمرجعية ونجدته بفتوى جعلِ سلاح الفصائل التي قاتلت داعش بيد الدولة. فقد أعلنت شخصيات إيرانية وعراقية معليا أن سلاح الحشد إيراني، وهو غير مشمول بفتوى السيستاني، وإن على حيدر العبادي أن يلعب بعيدا عنه.

والثالث، وهو الأهم، منعُ زعماء المليشيات من دخول البرلمان، حتى وإن سلموا للجيش بعضَ بنادق صيد العصافير وأبقوا سلاحهم الثقيل، وحتى أيضا إن ارتدوا ملابس مدنية واستقالوا من مليشياتهم، وهو أمر لا يمكن أن يخدع حتى صغار التلاميذ.

وقد صرح النائب عن عن كتلة بدر البرلمانية فالح الخزعلي، بأن "مشاركة قادة الحشد الشعبي في الانتخابات تحت مظلة الدستور تهدد مناصب الساسة المتعاطفين مع داعش، وأصحابَ المخططات الطائفية، لعدم إيمانهم بالتداول السلمي للسلطة"، مؤكداً أن "هذا الامر يُعد كابوسا يهدد دواعش السياسة". وعليه فإن "مجاهدين" أشداء سيدخلون البرلمان القادم بكل أسلحتهم الخفيفة والثقيلة، ولن يكون في مقدور نائبٍ يريد السلامة سوى الصمت أو الرقص لتسلية "المجاهدين".

وفي ضوء ذلك كله ينبغي على جماهير المعجبين بحيدر العبادي ألا يتفاءلوا كثيرا، وألا ينتظروا تغيير جديا وحقيقيا على يديه، مثلما حدث ويحدث على أيدي حكامٍ آخرين شجعانٍ وأبطالٍ وطنيين في دول عديدة أخرى يحترمون أنفسهم وشعوبهم ولا يبيعونهم قصورا من رمال.