ديمقراطية الحظر

ما أهمية الثرثرة الديمقراطية لزعيم ونائبة “بريطانيا أولاً” بول غولدينغ وجيدا فرانسن التي أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشهر الماضي نشر مقاطع فيديو لها معادية للمسلمين.

الثرثرة تصاعدت من بول وجيدا اللذين يقودان الجماعة البريطانية المتطرفة بعد أن تم تعليق حسابها على تويتر وفيسبوك ويوتيوب.

المزاعم عن حرية التعبير يمكن أن يستعيدها جنرالات الحقب الدكتاتورية ببساطة، لكن مهلا أيا كان قد صدّق كلامهم بالأمس، كيف لنا أن نتقبله اليوم، إنه مجرد تسويغ ساذج للحرية المتاحة لنا جميعا على وسائل التواصل، حرية فاقت المفهوم الذي عمل عليه الرجال الأوائل سواء من كان من السياسيين المخلصين أو الصحافيين الذين اجتهدوا من أجل الهدف الأسمى للحرية.

لا تحظى جماعة “بريطانيا أولا” اليمينية باهتمام البريطانيين المعتدّين برصانتهم، مثلما لا يلقى خطابها غير الهامش في وسائل الإعلام، لذلك تفتعل الضجيج الذي يصل إلى حد الهذيان أحيانا من أجل لفت الاهتمام إليها. ولا تجد معادلا لها سوى الإسلاميين المتطرفين داخل المجتمع البريطاني.

ويمكن أن تساعد الصورة التقليدية التي تروجها وسائل الإعلام لبريطاني حليق الرأس، غاضب، ناقم، يكشف جسمه عن مساحة من الوشم “العنصري” مقابل الإسلامي الملتحي بملابس طالبان وعمامة القرون المعتمة، على التعرف على عنصرية اليمين البريطاني، وتنكر المتشدد الإسلامي لقيم المجتمع البريطاني.

لذلك يبدو من العدالة الإعلامية أن تحظر حسابات هؤلاء على وسائل التواصل.

حظر موقع “بريطانيا أولا” وحساب بول غولدينغ وجيدا فرانسن، يمكن أن يعزز “ديمقراطية الحظر” ليس فقط وفق إعلان إدارة تويتر الذي ذكر أنه بدأ “تحديثات على قواعد الموقع وسياسة وسائل الإعلام للحد من السلوك، الذي يحرض على الكراهية والسلوك المسيء”، بل لأن مدونة القيم الإعلامية والاجتماعية بدأت تراجع متنها بتحريض متصاعد، بعد الشعور الجمعي بأن المجتمع يدمر نفسه بنفسه عن طريق خطاب إعلامي يحث على التطرف والكراهية.

فإدارة تويتر وفق مبادئها المعلنة لا تسمح بحسابات هدفها الأساسي التحريض على الأذى تجاه الآخرين على أساس هذه التصنيفات.

وسبق وأن اعتبر اللورد بيو رئيس اللجنة المستقلة للمعايير في الحياة العامة، التي تقدم المشورة لرئيس الوزراء البريطاني بشأن الأخلاق، الإساءات على مواقع التواصل وإن كانت تصدر من أقلية من الناس، لا يمكنها أن تدفع إلى تأجيل النقاش خصوصا في السياسة، مؤكدا أن حذف المحتوى التخويفي في وسائل التواصل لا يتعلق بخنق النقاش “بل بضمان وجود ديمقراطية نشطة يشارك فيها الناس بطريقة مسؤولة تعترف بحقوق الآخرين في المشاركة ولوجهات نظر مختلفة”.

وبطبيعة الحال مثل هذا الكلام المعتدل للورد بيو لا يحقق طموح غولدينغ اليميني المتطرف، عندما زعم بأنه تم تعليق حرية التعبير فعليا في بريطانيا، واتهم مواقع التواصل باضطهاد صراحة الوطنيين والقوميين.

رئيس جماعة “بريطانيا أولا” ونائبته بحثا لهما عن موقع آخر لإيصال خطابهم المتشدد حاثين أنصارهم على الوصول إلى شبكة “غاب” الاجتماعية الجديدة التي فتحا فيها حسابا جديدا.

موقع “غاب” هو شبكة مقرها في تكساس تشبه تويتر، قبلت باليمينيين البريطانيين المتطرفين، من أجل هدف أناني يكمن في جلب المزيد من المستخدمين لإشاعة خطاب الكراهية، لكنها تبقى في كل الأحوال خارج حدود المنافسة مع فيسبوك وتويتر.

لماذا قبلت “غاب” بالمطرودين من تويتر وفيسبوك، مع أن مبادئها التوجيهية تنص على أن “الشكل الصحيح الوحيد للرقابة هو خيار الفرد الخاص بالانسحاب” وأن مهمتها وضع الناس وحرية التعبير أولا واتباع جميع القوانين المعمول بها في الولايات المتحدة.

يرى البروفسور ماثيو فيلدمان، المدير المشارك لمركز الدراسات المناهضة للفاشية وما بعد الفاشية بجامعة تيسايد البريطانية، أن ثمة خطرا يكمن في وسائل التواصل البديلة لأنها ستشهد حركة متنامية للجماعات اليمينية المتطرفة، لن تكون مرئية بشكل واضح للمحققين في المملكة المتحدة.

ويقدر فيلدمان أن هناك العشرات من الجماعات اليمينية المتطرفة في بريطانيا، وجدت لها مساحة غير مسبوقة من على وسائل التواصل، تمنحها الحق في التطرف!

وهذا ما تصفه فيديا رامالينغام، مؤسسة منظمة تستخدم التكنولوجيا للرد على التطرف، بالزمن الرقمي المثير للقلق، حيث تشهد الثرثرة العنصرية والتخطيط والتحرك من قبل الجماعات اليمينية المتطرفة في بريطانيا أوج نشاطها على وسائل التواصل. وواقع الحال ليس المعضلة في جماعة “بريطانيا أولا” وحدها، بل إن وسائل التواصل تمنح الفرصة لظهور الجانب المعتم من الإنسان، والتعبير عن نفسه بما يكره، لكن هذه الوسائل لا تقوم بما فيه الكفاية من أجل مراقبة وحظر المحتوى المتطرف، لأسباب تصفها مديرة سياسة التدبير في فيسبوك، مونيكا بيكيرت، بأن وجود ملياري مستخدم لفيسبوك يجعل من الصعب التوصل إلى اتفاق حول ما ينبغي نشره وما يتوجب حظره.

وتقول “مثل هذا يتطلب الكثير من التفكير في أسئلة مفصلة وكثيرا ما تكون صعبة وتوفير الإجابة الصحيحة أمر نتعامل معه بجدية بالغة، فمهما جرى الاجتهاد في ضبط المحتوى، ستظل هناك مساحة رمادية يصعب الحسم فيها إزاء عدد من النقاط، إذ من الصعب مثلا إيجاد حدود التماس بين السخرية والتهكّم المسيء”.

في كل الأحوال تبقى شركة فيسبوك بطيئة في التفكير بشكل متعمق، في تأثيرها الحقيقي على العالم وتفسير هذا التأثير أمام نطاق أوسع من جمهور المستخدمين والسياسيين وغيرهم من الأشخاص.

وتتساءل صحيفة فايننشيال “إن كان لدى الشركة بالفعل البحوث المتعلقة بهذا الموضوع، فهي لم تتقاسمها مع أحد. وهي أيضا لم تفعل شيئا يذكر للتشجيع على إجراء تحقيقات أكثر عمقا”.