اقليم كردستان.. المتنازع عليه

من يقرأ تاريخ الحركة الكردية، سيقف عند حقيقة مرّة، تتمثل في ان أية حركة مسلحة تفقد الغطاء الستراتيجي، تفقد معه هدفها الإستراتيجي بالضرورة. والمقصود بالغطاء الإستراتيجي، هو العمق اللوجستي الشامل، الذي يبدأ بالتسليح وينتهي بالهدف السياسي المنشود.

الحركة الكردية، بدأت بعد ان شعر الكرد ان اتفاقية لوزان في العام 1923 ظلمتهم وافقدتهم فرصة الحصول على دولة، بعد الحرب العالمية الاولى، وهزيمة الدولة العثمانية فيها. سبقت تلك الاتفاقية، اتفاقية سيفر في العام 1920 التي اقرت لهم بقيام منطقة للحكم الذاتي تستمر لعشر سنوات في مناطقهم تحت حكم الدولة العثمانية، لحين نضج مؤسساتهم وبعدها تعلن الدولة الكردية. الاّ ان تطورات كبرى في المنطقة والعالم، عصفت بالحلم الكردي.

لقد انتهت ثورة اكتوبر الاشتراكية في العام 1917 الى قيام دولة شيوعية (الاتحاد السوفيتي) مطلع العشرينيات، احرجت الغرب الرأسمالي وجعلته يعيد حساباته في اكثر من منطقة في العالم، ومنها الشرق الاوسط، مخزن الطاقة وعصب الاقتصاد العالمي. وكان لا بد من ايقاف تمدد تلك الثورة او عدواها الثقافية الى تلك البقعة بأي ثمن. تمرد الجنرال اتاتورك في العام 1923 واطاح بدولة الخلافة الاسلامية العثمانية واعلن الجمهورية التركية، العلمانية، ليصبح معشوق الغرب. بعده بمدة قصيرة اطاح الجنرال رضا خان بالعرش القاجاري المتهرئ وسار على طريق زميله اتاتورك، ليقيم امبراطورية موالية للغرب وسعى الى تغريب بلاده ايضا. ترتب على هذا، الغاء البنود التي تتعلق بالكرد في اتفاقية سيفر، وجعلهم مواطنين اتراكا، او هكذا يجب ان يكونوا، حسب اتفاقية لوزان بعد ان قضى الكبار بذلك او قضت مصالحهم. وفي المقابل تم القضاء على الحركات المسلحة في ايران، بدءا من حركة اسماعيل آغا (سمكو) مطلع العشرينيات، على يد الجنرال رضا خان قبل اعتلائه العرش البهلوي، وصولا الى جمهورية مهاباد التي قامت بالتزامن مع جمهورية اذربيجان في العام 1946 بصفتهما جمهوريتين اشتراكيتين، في اطار الامبراطورية الايرانية! وهو ما لا يمكن ان يقبله الغرب ابدا، لتنتهي قصتهما بطريقة تراجيدية يعرفها الجميع.

العراق، له وضع خاص في علاقته بالكرد، فهو حينما كان ملكيا او مرتبطا ببريطانيا. كان الكرد فيه يقمعون من قبلها، بدءا من مملكة كردستان التي اقامها محمود الحفيد في السليمانية في العام 1920، مرورا بتمرد احمد البارزاني في الثلاثينيات، وانتهاء بالاربعينيات التي شهدت اخراجهم من العراق ولجوئهم الى ايران، حين تحركوا مرة اخرى بقيادة شقيقه الملا مصطفى البارزاني، الذي اصبح وزيرا لدفاع جمهورية مهاباد قبل تدميرها.

بعد العام 1958 وتمرد العراق على الارادة البريطانية، لم تجد بريطانيا افضل من مداعبة العواطف الكردية ووعدهم بالدولة، ليتمردوا هذه المرة وبقيادة البارزاني نفسه، طريد البريطانيين السابق، على نظام عبدالكريم قاسم الذي دعاه للعودة من منفاه الى بلده، ليدخل العراق منذ ذلك التاريخ في نفق من صراعات لا أمل في نهايتها، كون الاهداف الخارجية لا علاقة لها بحلم الكرد الذين استخدموا لتصفية حسابات بريطانية ومن ثم اميركية مع الدولة العراقية. هكذا اذن، صار الكرد يتحركون بلا غطاء استراتيجي حقيقي، وصارت مآسي الصراع تستخدم كوقود عاطفي لاستمراره منذ مطلع الستينيات والى الاستفتاء الاخير في ايلول الماضي.

ايران وتركيا تمتلكان الغطاء الإستراتيجي، سابقا وحاليا، من خلال قوتهما العسكرية والاقتصادية، وعلاقاتهما الدولية الواسعة، وتأثيرهما في المنطقة. والعراق وان بدا ضعيفا بعد احتلاله، لكنه يمتلك امكانية كبيرة للنهوض بسبب قدراته البشرية والاقتصادية، وهذا ما تجلى في دحره لداعش بزمن قياسي. وهو ما لم يقرأه قادة الاحزاب الكردية جيدا. فبعد الاستفتاء انكشف الغطاء الإستراتيجي الزائف عنهم، حين بدت المواجهة، غير المعلنة، حقيقية بين العراق وتركيا وايران من جهة واميركا واسرائيل من جهة اخرى، اذ ايقنت اميركا، ان رهانها سيكون خاسرا لعدم امتلاك الاقليم مقومات الصمود بوجه الثالوث المتحد بقوة! وهكذا تخلت عنهم، ووجدوا انفسهم بلا غطاء حقيقي يحميهم.

اميركا تريد اليوم بقاء الاقليم على ما هو عليه وتعمل على ذلك، بعد ان ورطته من قبل بإتباع سياسة انفصالية، بدأت بالاستقلال الاقتصادي وتصديره للنفط خلافا لرغبة بغداد. وتركيا وايران تعملان على تقويضه وابقائه مجرد منطقة ادارية بلا مخالب سياسية او عسكرية، لانهاء حلم الدولة الكردية. اما العراق فتنقسم القوى السياسية فيه الى فئتين، احداهما تذهب مذهب الايرانيين والاتراك، والاخرى ترى ان اقليما بحدود غير متجاوزة للمحافظات الثلاث لا بأس به.

المعركة السياسية هذه، جعلت اقليم كردستان متنازع عليه حقا، وان ما يشهده الاقليم اليوم من ثورة جياع، هو معطى لهذا النزاع، يسبقه ويذكيه بشكل اكيد، الفساد غير المسبوق الذي تقوم به العوائل الحاكمة هناك. ولا ندري ان كانت هذه العوائل تدرك مسبقا ان الذي كانت تقوم به منذ عقود ضد الدولة العراقية، هو من اجل اقامة دولة كردية مستحيلة التحقق، ام من اجل اقامة منطقة نفوذ لتعزيز وضعها الخاص، ماليا وسياسيا، على حساب الناس، التي كانت تخدّر باستمرار بفكرة بدت اليوم، طوباويتها اكثر وضوحا من أي وقت مضى، لكل من كان غافلا او مستغفلا.