زيدان من التشكيك إلى التبشير بالنموذج الصهيوني

عاد د.يوسف زيدان في أبرع ادواره مجددا، عاد مع الإعلامي عمرو أديب لينتقل من مجرد التشكيك والتفكيك، إلى مرحلة الفعل وبناء النموذج المعرفي الصهيوني وتقديم رواية تاريخية كاملة مضادة للرواية العربية، ومضادة لاختيارات مستودع الهوية الخاص بها، ليحاول إعادة كتابة تاريخ المنطقة العربية والصلات القديمة بين اليهود والعرب، ويصب في صالح دعم الصهيونية ووجود الاحتلال الصهيوني لأرض فسطين العربية، ويبرر لخضوع الذات العربية للهيمنة الصهيونية والغربية.

حيث خلافا للعادة قدم د.زيدان هذه المرة مسرحية متكاملة الفصول؛ ولم يقدم تكتيكه القديم في التشكيك في واقعة ما لنفي رواية تاريخة ما، لقد انتقل زيدان (ومن يفتح له المنابر العامة) للمرحلة التالية وهي بناء الرواية المضادة، انتقل للهجوم والمبادرة بعد ان مَهد ومُهد له في الفترة السابقة.

زيدان يقول الآن ويقدم مسوغات الانهزام الحضاري للصهيونية باسم العلم وتقبل الآخر ووجهة النظر البديلة والأبنية الفرعية والهامشية للثقافة، وما إلى ذلك من مداخل معرفية ناعمة تدعي البراءة ومواجهة خطاب الكراهية والرواية الرسمية العربية السائدة! في حين أن زيدان ليس إلا أحد وجوه "الاستلاب" للآخر، ومجرد بوق يقدمه من يمهدون لبشائر الهزيمة والانسحاق امام الآخر/ الغربي/ الصهيوني.

العودة لمنهج الاجتزاء والقص واللصق

لكي ينجح زيدان في تقديم رواية كاملة هذه المرة، وينتقل لمرحلة الهجوم وبناء الوعي المضاد بعد مرحلة التشكيك فيما سبق، كان عليه ان يجتزأ ويقدم قصاصات من الحقيقة، ثم يعيد تجميعها ليقدم لنا مبررات التفوق الصهيوني علينا ويخترع خلفيته التاريخية والدينية، لذا فبدوري سوف انتقل من خطاب التحليل إلى خطاب المواجهة، فلم ييأس زيدان ولم يخجل مما يصنع، ولسنا أولاد أمهاتنا ولا نستحق الدماء التي سالت على الأرض والأجساد التي رممت الجدران وصلبت عودها، في حلم نهضة مصر وثورتها. يسوق زيدان عدة حقائق مجتزأة من التاريخ لتمرير الهزيمة والانسحاق للصهيونية والغرب منها ما هو تاريخي، ومنها ما هو سياسي، وهو عادة ما يوظف التاريخي لينطلق منه للسياسي والواقع الحالى، وتبرير وتقديم مسوغات الهزيمة السياسية أمام الصهيونية/الغرب. ومن المجتزءات التي يسوقها لتبرير تفوق الصهاينة وانهزام الذات العربية ما يلي.

اللغة العبرية سبقت العربية

يقول إن اللغة العبرية دونت قبل العربية، وان العربية هي مكسور السريانية (الآرامية)! لذا فحان وقت ردعه علميا واتهامه مباشرة بالاجتزاء وترويج الخطاب الصهيوني التاريخي والديني. زيدان يقدم روايته لتاريخ لغات المنطقة العربية، في سياق توراتي يهودي بحت، وهو السياق الذي يسمي لغات منطقة بلاد الرافدين (العراق) والشام (سوريا ولبنان وفلسطين والأردن) وشبه الجزيرة العربية (السعودية واليمن وكافة الإمارات والسلطنات بشبه الجزيرة والخليج) يسميها باللغات السامية، وهو مصطلح قال به علماء العهد القديم والمستشرقين الغربيين.

في حين ان هناك قراءة أخرى يخفيها زيدان أو لا يعلمها كغير متخصص، تقول بتسمية تلك اللغات باللغات العربية القديمة، وليس بمصطلح اللغات السامية الذى ينتمي للرواية التوراتية اليهودية والغربية. والمنطق هنا أن كافة قبائل شبه الجزيرة والشام والعراق كانت تنتمي للعرق العربي في عمودها الصلب، وكان التعدد اللغوي وظهور اللغات واشتقاقها يعود لظروف الهجرات المتوالية من الجنوب حيث موجات القحط في شبه الجزيرة، إلى الشمال في العراق والشام حيث الماء والعشب، ومن هنا كانت التسمية الأدق هي اللغات العربية القديمة، نسبة للعرب، وليست التسمية التوراتية نسبة لسام بن نوح (عليه السلام).

ما اللغة العبرية إلا سلخة من فروع اللغات العربية

حين هاجر سيدنا إبراهيم من بلاد العراق القديمة، واستقر بزوجته ساره في أرض الشام بمنطقة كنعان (فلسطين حاليا)، وبعدما انجبت السيدة سارة سيدنا إسحاق ومن بعده سيدنا يعقوب (إسرائيل)؛ تحدث هؤلاء بلغة القوم الذين عاشو بينهم وهي اللغة الكنعانية لغة القبائل العربية التي هاجرت قديما من الجزيرة واستقرت في منطقة الشام؛ ولم تكتسب اللهجة الكنعانية لأحفاد سيدنا إسحاق سماتها اللغوية المستقلة التي جعلها تتميز عن الكنعانية الأم إلا في مصر؛ عندما جاء سيدنا يعقوب ومعه عشيرته كلها في عهد نبي الله يوسف، حيث كان الانعزال الجغرافي عن موطن الكنعانية والاحتكاك باللغة المصرية القديمة هما أبرز عوامل تطور اللهجة الكنعانية لآل يعقوب (بني إسرائيل) واستقلاها عن الكنعانية الأم، حينما خرج بني إسرائيل مع سيدنا موسى واحتلوا أرض كنعان كقوة سياسية ودينية لها لغتها الخاصة التي سميت بالعبرية، والمعروف أيضا أن العبرية تعرضت بعدها للتأثرات الآرامية وهي واحدة من اللغات العربية القديمة التي سادت في المنطقة ما بين الشام والعراق، وكذلك تأثرت فيما بعد في أثناء سبي اليهود إلى العراق القديمة للتأثر بأحد اللغات العربية القديمة التي كانت سائدة هناك قديما وكانت تسمى الأكدية (بفرعيها الآشوري والبابلي).

وهم أن العبرية أول اللغات العربية كتابة

ويقول زيدان أن العبرية قد دونت قبل العربية (الحالية) وهي من أول اللغات تدوينا، وفي ذلك جملة مغالطات. أول أبجدية في العالم كانت أبجدية عربية اخترعها الشعب الفينيقي (اللبناني حاليا) وهو أحد البطون العربية التي استقرت قديما في منطقة الساحل ببلاد الشام، وعنها تطورت معظم الأبجديات العربية فيما بعد في الآرامية والعبرية والعربية وغيرهم، حتى أن معظم أبجديات العالم تدين للأبجدية العربية الفينيقة بذلك، والخط الذي دونت به العبرية يعود للأبجدية العربية الفينيقية ثم طور الآراميون العرب خطا خاصا به استخدمته العبرية بعد ذلك! فكيف يقول زيدان بأن العبرية لها الأسبقية في حين هي كتبت بالفينيقية العربية وبالآرامية العربية! ولم تكون حصيلتها اللغوية كذلك إلا استعارة من المصرية القديمة والآرامية والأكدية!

مقولة العربية مكسور الآرامية

زيدان كغير متخصص في التطور اللغوي وفهم آليته وبنيته، لم يتطرق للفصل بين اللغة المنطوقة واللغة المكتوبة! تدوين العربية الفصحى الحالية استعار الكثير من الخط الآرامي والأبجدية الفينيقية كما فعلت العبرية، وله صلة أكثر بالقلم النبطي الذي ساد أيضا في منطقة جنوب الشام والعراق. لذا فزيدان قدم مقولته عن ان العربية هي مكسور الآرامية في غير سياقها ودون فهم كاف، كما أن التداخل اللغوي بين مفردات اللغات العربية القديمة لا يمكن تقديمه كما فعل زيدان لصالح الانتصار للعبرية والصهيونية في تبجح ومغالطة شديدة.

صلاح الدين واليهود وتشويه الجميل

ثم ينتقل زيدان إلى جزء آخر في روايته الجديدة لتأصيل ادعاءات الصهيونية وتبريراتها العنصرية؛ فيقول إن صلاح الدين الذي سبق وهاجمه سابقا، هو الذي أدخل اليهود إلى القدس! ولا أعرف كيف تواتيه الجرأة ليعتبر فعل الجميل والتسامح ذريعة ومبررا لعدوان الصهاينة على الحق العربي، واعتبار القدس عاصمة صهيونية للجماعات الأوروبية من اليهود التي احتلت فلسطين. حقيقة في هذا اللقاء يبدو زيدان وكانه في عجلة من امره، وكأنه لم يعد له العدة جيدا، وكأن اللقاء تم مفاجأة على حين غرة.

الخلط بين الصهيونية واليهودية

في محاولة من زيدان لنزع الصهيونية من سياقها العنصري الغربي كأحد تمثلاته الاستعمارية التي ادعت التفوق العنصري؛ حاول رصف المسافة بين الصهيونية كحركة سياسية لها سياقها الغربي، كان لبها الأساسي هو حركة لكبح جماح المشروع العربي، وإدخاله في سرداب التناقضات الدينية التاريخية بينها وبين اليهود الفقراء القادمين من أوربا والمضطهدين هناك. من هنا تفوق زيدان على دعاة الصهيونية الدينية ذاتها، معتبرا أن الصهيونية لا تختلف عن اليهودية شيئا! وهو هنا يتفوق على دعاة "معاداة السامية" حيث يعتبرون من يعادي الصهيونية يعادي السامية والأفراد المنتمين للديانة اليهودية، فهو هنا يجعل من يعادي الصهيونية ويرفضها من العرب معاديا للديانة اليهودية ذاتها؛ ليتفوق حقيقة على دعاة الصهيونية الدينية من اليهود أنفسهم، ولا أعلم أيضا من أين واتته الجرأة ليقول بذلك.

الصلات التاريخية بين العرب واليهود: سياق مشبوه

الوجود اليهودي بعد شتاتهم الأكبر على يد الرومان وتخريب الهيكل اليهودي في القدس؛ انتشر في معظم بقاع العالم القديم ووصل لشبه الجزيرة العربية، وحين بُعث نبي العرب وآخر الأنبياء سيدنا محمد عليه السلام، عاصروه وجرت بينهم الوقائع المعروفة في التاريخ، ولا دلالة لها هنا سوى الخلط والفهم المعكوس للأشياء.

إلا أن فضل الحضارة العربية الإسلامية الأكبر على يهود العالم يعود لفترة الأندلس، حينما وللمرة الاولى بعد الشتات الروماني سمحت الحضارة العربية الإسلامية هناك لليهود في أوروبا، بأن يتحولوا لجماعة ذات سمات قومية مرة أخرى، ونهل يهود أوروبا من المعين العربي لغويا وأدبيا وحضاريا، حيث بعدها حاولوا تكرار النموذج الأندلسي في كافة بلدان أوروبا ولم ينجحوا، بل وفي حقيقة الأمر قد يكون "النموذج الأندلسي" هو سبب الاضطهاد الاوروبي الشهير ليهود أوروبا في العصور الوسطى، وظهور ما سمي بظاهرة العداء لليهود التي عرفت بـ "معاداة السامية"، فلقد حاول يهود أوروبا إعادة إنتاج تفوقهم في ظل النموذج الأندلسي في كافة بلدان أوروبا على المستوى السياسي والاقتصادي. إلا أن هذه المحاولات لتحول يهود البلدان الأوروبية لقوة لها سمات خاصة قُوبلت بعنف شديد من اوروبا المسيحية، وظل حلم "النموذج الأندلسي" يطارد يهود أوروبا، حتى كان ردهم للجميل صادما عندما تحالفوا مع أوروبا لإعادة إنتاج النموذج اليهودي الأندلسي مرة أخرى باحتلال الأرض العربية في فلسطين. هكذا كان رد الجميل والتسامح العربي يا عزيزي د.زيدان.

زيدان عراب الحقبة السياسية المتخيلة أم مسيخها الدجال!

ويظل السؤال لماذا نتحدث على العلاقات الطيبة؛ في ظل تحول الآخر/ الصهيوني/ الغربي إلى حالة الهيمنة والقهر الوجودي للعرب والفلسطينيين! ما هذا السياق المشبوه والاجتزاء وقلب الحقائق، لتبرير الانسحاق وتقديم الخطاب المعرفي أو الظهير المعرفي، لحقبة سياسية متخيلة من الهزيمة والذل والهوان؟

أعتقد أن زيدان يقدم نفسه كعراب محتمل لحقبة سياسة متخيلة؛ كعراب محتمل لحقبة الهزيمة والانسحاق العربي، وهذا قد يكون هو التفسير الوحيد لظهوره وفتح المنابر الإعلامية أمامه، لكن وبمنطق الفعل ورد الفعل سيكون فتح المنبر لزيدان دافعا لتشكل واحدة من موجات الثورة العربية الكبرى التي انطلقت في القرن الحادي والعشرين، وسيكون مصير زيدان وأشباهه من دعاة الذاتية والبحث عن الصعود الاجتماعي ولو على حساب الجماعة العربية ومسلماتها؛ هو مصير كل الانتهازية عبر التاريخ. زيدان لن يكون عرابا لحقبة سياسية قادمة من الهزيمة والاستلاب، زيدان سيكون هو مسيخها الدجال، وروايته ستكون هي الفتنة وغواية ما قبل نهضة الذات العربية وميلادها الجديد، فعادة ما يسبق المخاض ذلك الطلق الزائف.

القدس عربية وفلسطين هي المحك

الصهيونية لا تريد التعايش، الصهيونية تريد الهيمنة ولا تريد السلام، واهم من يعتقد أن الصهيونية ودولتها ستكون جنة على الأرض العربية، واهم من يظن أنه سيصبح عرابا لخطاب الانسحاق والهزيمة، واهم من يفتح المنابر معتقدا أنه سيشكل بخطاب زيدان أرضية وجمهورا للهزيمة، لكن يظل السؤال حاضرا لماذا تفتح المنابر لزيدان، ولا تفتح لسواه، لماذا تفتح المنابر لداعاة الاستلاب وهزيمة الذات العربية، ولا تفتح لدعاة الأمل ونهضة الذات العربية.

إنما سيبقى الأمل حاضرا، وستنتصر الذات العربية وإن كمنت في الزمن وتداولت حلمها سرا، ليأتي المخاض عاصفا وهادرا، على عكس من يبشرون بخطاب الهزيمة والانسحاق ومن ورائهم.. على عكس من يظنون في أنفسهم عرابين للهزيمة والخراب والانسلاخ عن الذات ومستودع هويتها.