صبغة سياسية تطبع الرياضة الأميركية في 2017

جذور الخلاف تعود الى رفض كابرنيك الوقوف للنشيد الأميركي

واشنطن - دخلت الرياضة الأميركية في 2017 بقوة على خط السياسة، لاسيما في حرب كلامية وحركة اعتراضات بين اللاعبين خصوصا ذوي البشرة السمراء في كرة السلة وكرة القدم، والرئيس دونالد ترامب.

بعد عقود من مسار سلس أصبح خلاله الدوري الأميركي للمحترفين "ان بي ايه" ودوري كرة القدم الأميركية "ان اف أل" في مصاف العلامات التجارية الغنية والذائعة الصيت، وسط ابتعاد عن أي صبغة سياسية، تبدلت الأمور جذريا خلال أسبوع واحد.

في شباط/فبراير 2017، وبعد تظاهرات واحتجاجات في مناطق مختلفة من الولايات المتحدة اعتراضا على قرار الرئيس فرض قيود على منح تأشيرات السفر لمواطني دول ذات غالبية مسلمة، شدد معظم المعنيين بالمباراة النهائية لدوري كرة القدم "سوبر بول" والتي يتابعها الملايين، على ضرورة فصل الرياضة عن السياسة.

وقال لاعب نادي نيو إنغلند باتريوتس طوم برايدي، أحد أبرز اللاعبين في تاريخ الدوري، "لن أتحدث في السياسة على الاطلاق (...) اذا أراد الناس الاصطفاف الى جانب طرف على حساب آخر، لديهم الحق للقيام بذلك. ولدي أيضا الحق بأن أمتنع عن القيام بذلك".

في تلك الأمسية، قاد برايدي فريقه الى عودة تاريخية، فقلب التأخر بنتيجة 3-28 الى فوز 34-28. الا ان أحدا لم يكن يعتقد انه بعد أشهر من ذلك، ومع انطلاق الموسم الجديد للعبة الأكثر شعبية في الولايات المتحدة، ستنقلب الآية في الدوري بشكل كامل.

جذور الخلاف تعود الى نحو عام مضى، عندما رفض لاعب فريق سان فرانسيسكو فورتي ناينرز، كولين كابرنيك، الوقوف للنشيد الوطني الأميركي، في خطوة للفت الأنظار لمعاناة الأقليات العرقية والدينية في الولايات المتحدة، على يد الأجهزة المكلفة فرض القانون.

- "مطرود، مطرود" -

في أيلول/سبتمبر 2017، كانت الحركة التي قام بها كابرنيك (جثا على ركبة واحدة) تتجه الى غياهب النسيان. حتى اللاعب نفسه كاد ان ينسى، فهو (في الثلاثين من العمر)، كان لاعبا حرا لم يثر اهتمام أي من أندية الدوري، بعد أداء غير لافت في مسيرة كانت أبرز محطاتها قيادة فريقه الى نهائي "سوبر بول" قبل أربعة أعوام.

واصل عدد من اللاعبين القيام بهذه الحركة قبيل انطلاق المباريات، الا انها لم تحظ بقدر كبير من الاهتمام الجماهيري أو الاعلامي.

الا ان كل ذلك تبدل في 22 أيلول/سبتمبر: خلال لقاء شعبي في ألاباما، أثار ترامب الذي طبعت المواقف المثيرة للجدل أشهره الأولى في سدة الرئاسة، مسألة الحركة التي يقوم بها بعض اللاعبين، ورفضهم الوقوف أثناء عزف النشيد الوطني الأميركي.

وفي خضم صيحات المؤيدين له، قال ترامب ان مالكي أندية دوري كرة القدم يجب ان يردوا على ما يقوم به اللاعبون بالقول "إطردوا إبن العاهرة هذا من الملعب حالا. مطرود، مطرود! ".

في اليوم التالي، وجه ترامب سهام انتقاداته الى ستيفن كوري، نجم غولدن ستايت ووريرز بطل دوري كرة السلة.

كوري، كما العديد من لاعبي أندية كرة السلة، كان من المنتقدين علانية لترامب، وأعرب مسبقا عن تردده في المشاركة مع زملائه، في الزيارة التقليدية الى البيت الأبيض التي يقوم بها الفريق الذي يحرز لقب دوري كرة السلة. رد ترامب على هذا التردد كان سحب الدعوة.

وغرد الرئيس الأميركي عبر حسابه على تويتر "زيارة البيت الأبيض تعد شرفا كبيرا بالنسبة الى فريق متوج بالبطولة. ستيفن كوري يتردد، لذلك تم سحب الدعوة!".

استدعت التغريدة ردودا حادة من اللاعبين، وبينهم نجم الدوري ليبرون جيمس الذي لجأ الى تويتر ووصف ترامب بـ"المتسكع"، مضيفا بأن زيارة البيت الأبيض "كانت شرفا كبيرا قبل ان تحضر انت"، أي قبل ان يصبح ترامب سيد المقر الرئاسي الأميركي.

- قلة احترام -

اتخذت رابطة دوري كرة القدم الأميركية موقفا موحدا مما أدلى به ترامب، واعتبرت ان "التعليقات المثيرة للانقسام كهذه تظهر قلة احترام مؤسفة حيال رابطة كرة القدم الوطنية، اللعبة الكبيرة بالنسبة إلينا والى جميع اللاعبين".

كما صدر بيان منفصل عن مالكي الأندية انتقدوا فيه ترامب.

الا ان الرد الصارخ أتى بعد يومين من تصريحات الرئيس، عندما قام نحو 150 لاعبا في يوم واحد بحركة كابرنيك قبيل المباريات، في أكبر حركة احتجاج سياسية في تاريخ كرة القدم الأميركية.

أعاد هذا الاعتراض حركة كابرنيك الى دائرة الضوء. وأوضح اللاعب فون ميلر "شعرنا ان خطاب الرئيس ترامب كان اعتداء على أكثر حقوقنا أهمية: حرية التعبير".

واستمر الأخذ والرد بين ترامب واللاعبين لأسابيع، قبل ان تهدأ الحركة الاحتجاجية. الا ان هذه التجربة وضعت كرة القدم الأميركية أمام اختبار صعب اضطرها لايجاد توازن بين الدفاع عن اللاعبين في وجه الانتقادات السياسية، وفي الوقت نفسه عدم إثارة غضب المشجعين المعترضين على عدم وقوف اللاعبين للنشيد الوطني، وصولا الى حد اعتبار عدد منهم بمثابة "خونة".

وخاضت رابطة الدوري في مباحثات مع اللاعبين لتهدئة الخواطر، وتعهدت بدفع نحو 100 مليون دولار لجمعيات خيرية تعنى بالمساواة والاصلاح والعلاقات بين أجهزة فرض الأمن والمجتمعات المحلية.

وتأمل الرابطة في ان يساهم هذا التعهد بطي صفحة موسم غلبت عليه الاحتجاجات، من دون ان يصل الأمر بها الى حد الطلب من اللاعبين بالتوقف عن تأدية الحركة الاحتجاجية في الملعب.