للعربية ربّ يحميها

كنت في الصغر أتساءل في نفسي، بعدما سمعت أحد الأحاديث يُروى، بأن الإسلام سيعُمّ العالم باسره، سواء كان ذلك بذلّ ذليل أو بعزّ عزيز.

كنت أتساءل: ما هي الكيفية والوسائل التي سيدخل بها الاسلام البيوت؟ وهل سيدخل عن طريق السّيف أم عن طريق الإقناع؟ وكيف إذا كان دخوله عن طريق الجبر والاكراه، أن يحاسب الله عباده؟ كان تساؤلي منطقي، ولا يزال لمن أراد أن يبحث ويعرف.

كان ذلك قبل انتشار القنوات الفضائية عبر الأقمار الصناعية، وقبل تعميم الانترنت في العالم. بقي السؤال يراودني الى أن اقتحمت الانترنت وبدأت أحبو فيها كالطفل، قبل أن يشتد عظمي.

أما اليوم، فقد زال ذلك التساؤل من مخيلتي، وأصبحت أرى بعين اليقين ما كان يبدو لي غامضا.

فرسالة الاسلام ستدخل البيوت، وهذه معجزة من المعجزات في حدّ ذاتها، لا تستطيع أية جهة في العالم مهما بلغ جبروتها وطغيانها أن توقفها. لكن الوسائل مختلفة، والمفاهيم تتغير بتغير التكنولوجيا والعلم وثقافة الانسان. والاستيعاب يختلف باختلاف القدرة الادراكية. وقد يُستعمل المتجبر والطاغي، والجاحد والكافر، من حيث لا يدري، في نشر رسالة الاسلام.

فمن نزع الله الغشاوة بعدها على عينيه، آمن وأسلم، ومن كفر، فقد وصلته رسالة الاسلام بوسيلة أو بأخرى وأقيمت عليه الحجج والبراهين... قبل يوم الحساب.

فإما أن يقف الانسان مع الحق وينتصر للمظلوم، وإما أن يقف مع الضلال والبهتان فيكون من الخاسرين، ويخيب في الدنيا والآخرة. ولو نزع الله الستار، ولو أراد الله اكراه الناس على الايمان، لآمن من في الأرض جميعا، ولما ترك الله الناس تكفر به صباح مساء وهو ذو القوة المتين.

كنت أتساءل: هل يتعلم الناس اللغة العربية وينشروا بها الاسلام، أم سيأتي قوم ينشرون الاسلام بغير العربية؟ وكيف سيكون نشر الاسلام والمسلمون مشتتون وضعاف وما هي الوسائل والكيفيات؟ وتواترت الأحداث لنشر الاسلام بوسائل مختلفة.

أعيش الآن في فرنسا التي أرادت محو اللسان العربي في الجزائر، واستبدلت المساجد بالكنائس أيام الاحتلال، وأرى بعيني انتشار هذا الدين في ربوعها بوسائل مختلفة.

فلو ذهبت الى أي كنيسة فإنك ستجدها فارغة من العُبّاد، اللهم الا من بعض الزائرين الذين يلتقطون صورا لزخرفتها أو من السوّاح... أو يلتف الناس فيها بالعشرات أو بالمئات في عرس أو جنازة للقيام ببعض المظاهر، وأغلب مرتاديها من فئة الكبار. في المقابل ترى في فرنسا الناس تصلي في الطرقات، نظرا للعدد المتزايد من المسلمين من كل بقاع العالم، وأغلبهم من الشباب. و كذلك الأمر في روسيا أو في أميركا أو في الصين، أو في الهند أو في استراليا. وقد رأيت بعيني إمام الحرم المكي الشيخ السديس، والامام العلامة الشيخ البوطي رحمه الله، مندهشان من الجموع التي حضرت في مسجد الدعوة بباريس الذي يؤمه الجزائري الدكتور العربي كشاط، عندما قدما الى هناك.

ولأعطيكم مثالا: كانت أميركا ومن معها قبل ظهور داعش تتحدث عن القاعدة وعن أسامة بن لادن، وقد وقعت تفجيرات 11 سبتمبر2001. فهل كانت تعلم أميركا أن تلك الحادثة بلغت أصقاع العالم؟ هل كانت تعلم أميركا أنّ كل من سمع خبر التفجيرات المهولة سيتساءل عن سرّ الاسلام ومن يقف وراءه؟

وهل كانت تعي فرنسا، ومارين لوبان التي تتضايق من المصلين في الطرقات وتصف المشهد بالاحتلال الجديد، أن التفجيرات التي وقعت في باريس ستصل أخبارها الى العالم؟

شخصيا وفي رواية كنت ذكرتها لكم في أحد مقالاتي تحت عنوان "الاسلام بين قوة المنطق ومنطق القوة"، عن مهندس فرنسي أسلم. سألته عن سرّ اسلامه، فكان جوابه بأن أحداث سبتمبر هي السبب في اسلامه.

هل تستطيع أميركا الآن أن تتحكم في الانترنت وتمنعها من دخول البيوت؟

إذا كان القرآن قد نزل باللغة العربية، وأن الرسول (ص) جاء بشيرا ونذيرا للعالمين، هل ستكون حماية القرآن دون اللغة التي نزل بها أيها المتعالمون؟

فإذا منعتم الدعاة من مخاطبة الشعوب عبر القنوات الفضائية، ومنعتم المفكرين والأساتذة، فها هي الانترنت تبيح لهم ذلك بكل لغات العالم، وتدخل الدعوة البيوت دون صواريخ ودون قنابل، ودون سيوف ودون سجون ودون تعذيب. بل بسيف الحق الذي يتلألأ ويقطع رؤوس الباطل.

فيا شرف من دافع عن لغة القرآن، وأسّس لها مؤسسات تحميها وتحفظها، وأنفق عليها من ماله، وسعى لها من جهده ومن فكره، وتلقى الأذى في سبيلها. ويا سعادة من ساهم في نشرها وكان أحد جنودها، ويا عزّ من فضله الله بتعلمها. ويا ويل من ناصبها العداء وحاول تشويهها.

فمن يحارب اللغة العربية بشتى الوسائل هو بالضرورة محارب للإسلام. فلا يمكن الفصل بين اللغة العربية والقرآن، ولا يمكن الفصل بين القرآن والاسلام. فمن يحاول فصل القرآن عن العربية كمن يحاول فصل اللسان عن الجسد.

فالإسلام دين الله وهو خالق هذا الكون، والعربية هي لغة القرآن، أيستطيع مخلوق من مني يُمنى، وهو الذي يحتاج الى النفخ، والى قوة وطاقة تمدّه وتبقيه على قيد الحياة، أن يقضي على خالقه؟

فيا من تحاولون فصل العربية عن الاسلام، ابحثوا عن حيل أخرى.