باحثون صينيون يدرسون: كيف يحكم الحزب الشيوعي الصيني؟ ويرسم خططه ويطور ركائزه؟

الإطاحة بـالجبال الثلاثة الكبرى

قال ماو تسي تونغ إن نشأة الحزب الشيوعي الصيني عام 1921 مثل الحدث الأكبر منذ فجر التاريخ؛ فمنذ ذلك الوقت امتدت جذور قوة سياسية جديدة ونمت في أرض الصين، وتغيرت ملامح الثورة الصينية تغيرًا تامًّا. وبمرور 28 عامًا كبر الحزب الشيوعي الصيني، وتحوَّل من الضعف إلى القوة، وصقلته التجارب فازداد قوة، وقاد شعوب مختلف القوميات، وقدَّم تضحيات جمة للإطاحة بـ "الجبال الثلاثة الكبرى" (الجبال الثلاثة الكبرى تشير إلى الأعداء الثلاثة لفترة الثورة الديمقراطية الجديدة، وهي: الإمبريالية والإقطاعية والرأسمالية البيروقراطية) وتحقيق الاستقلال القومي، فأسَّس الصين الجديدة التي أصبح فيها الشعب سيد قراره.

وبعد مرور أكثر من ستين عامًا أخرى في لمح البصر، انتهى الحزب سريعًا من تحوله التاريخي من حزب ثوري إلى حزب حاكم، وقاد الشعب في مبادرته المستقلة ونضاله المرير، فحرَّر الفكر، وأوقد حماسة التقدم، وسار من انتصار الثورة الديمقراطية الجديدة تجاه الانتصار الجديد للإصلاح والانفتاح والبناء الاشتراكي.

ويتطلع الحزب الشيوعي الصيني لأكثر من ستين عامًا منذ توليه الحكم إلى حصول هذه الدولة الأكثر سكانًا في العالم، على الإنجازات العظمى التي تجذب أنظار العالم كله، فغيَّر مصير الأمة الصينية جذريًّا، وظل يؤثر بعمق في مجرى تاريخ المجتمع البشري.

في ضوء هذه الرؤية يتساءل هذا الكتاب "كيف يحكم الحزب الشيوعي الصيني؟" من أين جاءت مكانة حكم الحزب الشيوعي الصيني؟ كيف يكون منهج الحكم الذي يتمسك به الحزب؟ كيف يرسم الحزب خطة حكمه العامة؟ كيف يشكل الحزب نظام الحكم؟ كيف يوطد الحزب الشيوعي النظام التنظيمي والنظام القيادي؟ كيف يرسخ الحزب كفاءة الحكم؟ كيف يحسِّن الحزب طريقة الحكم؟ كيف يرسِّخ الحزب الأساس التنظيمي للحكم؟ كيف يطوِّر الحزب اختيار ركائز الحكم؟ وأخير الضمان الأساسي لطول فترة حكم الحزب الشيوعي الصيني؟

وخلاصة هذه الأسئلة هي عنوان الكتاب: "كيف يحكم الحزب الشيوعي الصيني؟ وللإجابة خططت ونظمت دار نشر المقروءات الحزبية لـ "مجموعة كتب الصين اليوم - سلسلة فك شفرة الحزب الشيوعي الصيني" من أجل أن يفهم الناس معجزة تطور الصين المعاصرة فهمًا أفضل، وأن يفهموا نظريات الحزب الشيوعي الصيني وإجراءاته لحكم الدولة ونهضتها.

وقد حددت كلية النظريات السياسية والفكرية بجامعة بكين للملاحة الجوية والفضائية برئاسة "جو تشين" و"تسون يان" و"تشاو يي ليانغ"، مسئولية تأليفه وتنظيمه وفقًا للهيكل الذي حدده الرؤساء الثلاثة. واشتمل أعضاء مجموعة التأليف على أستاذ مساعد "وان لين يان"، ودكتور "قاو نينغ"، ودكتور "تشانغ شو خوان"، ودكتور "ليو يينغ"، ودكتور "تشن منغ" بكلية النظريات السياسية والفكرية بجامعة بكين للملاحة الجوية والفضائية.

أكد الكتاب الصادر عن دار بيت الحكمة أنه وفقًا للإحصائيات، فقد بلغ مجموع أعضاء الحزب الشيوعي الصيني في الدولة كلها 4.48 مليون شخص وقت تأسيس الصين الجديدة عام 1949، وأثناء هذه الأعوام الثمانية والعشرين منذ بناء الحزب وحتى بناء الدولة، كان هناك عدد من شهداء أعضاء الحزب، ووصل عدد المعروفين منهم الذين يمكن البحث عنهم فقط 3.7 مليون شخص. بصيغة أخرى، كان هناك ما يقارب ذلك العدد من التابعين للحزب الشيوعي الصيني الذين لم يشهدوا جميعًا ذلك اليوم الذي رُفع فيه العلم الأحمر ذو الخمسة نجوم؛ وذلك لأن تحرير الشعب الصيني واستقلال الأمة الصينية هو ما استبدلوه بحياتهم.

• التاريخ هو القاضي العام الأكثر إنصافًا

يثبت تاريخ الدم والنار أنه لولا الحزب الشيوعي الصيني لما كانت هناك صين جديدة، وأن وجوده قد غيَّر ملامح الصين تغيرًا تامًّا. ليست مكانة حكم الحزب الشيوعي الصيني مكانة مزعومة، وليست كذلك قادمة من السماء، ولكنها تشكلت تدريجيًّا خلال النضال الثوري الطويل المدى، وهي انتخاب حتمي لتطورات التاريخ، واختيار صحيح من الشعب الصيني، وهي قرار شخصي نابع من الطبيعة المتقدمة للحزب الشيوعي الصيني.

ولفت إلى إن التاريخ عادل منذ الأزل؛ فعلى صعيد المسرح السياسي الصيني منذ العصر الحديث، صعدت على الساحة طبقة ملاك الأراضي وطبقة الفلاحين والطبقة البرجوازية، وغيرها من مختلف القوى السياسية واحدة تلو الأخرى، وكانت جميع طبقات المجتمع تستكشف طريق إنقاذ الدولة والشعب.

لقد تتابع فشل كل من حركة تايبينغ وحركة التغريب وحركة الإصلاح عام 1898، فقادت المجموعات الثورية من الطبقة البرجوازية ممثلة في "سون يات سين" ثورة شينهاي العظيمة عام 1911، وأسقطوا حكم أسرة تشينغ التي حكمت الصين أكثر من 200 سنة، وذلك في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ولكن "يوان شي كاي" سرق ثمار الثورة تحت دعم القوى الرجعية الصينية والأجنبية.

ويثبت التاريخ أن حركات التغريب والنزعات الإصلاحية التي لا تخرق الأساس الإقطاعي، وكذلك حروب الفلاحين التقليدية، والثورات التي تقودها المجموعات الثورية البرجوازية، والخطط المختلفة الأخرى التي تقلِّد الرأسمالية الغربية، لا تستطيع جميعها إتمام المهمة القومية لإنقاذ الأمة الصينية من العبودية وضمان بقائها، ولا إتمام المهمة التاريخية لمقاومتها للإمبريالية والإقطاع. ولحل مشكلة تقدم الصين وتنميتها، كان من الضروري إيجاد نظريات متقدمة تستطيع بما فيه الكفاية إرشاد الشعب الصيني خلال مقاومته للإمبريالية والإقطاع، وكذلك إيجاد قوى متقدمة تستطيع أن تقود تغيير المجتمع الصيني وإصلاحه.

ورصد الكتاب لبدايات الحزب موضحا أن ثلاثة عشر نائبًا يمثلون أعضاء الحزب الشيوعي الصيني الذين يتخطون الخمسين شخصًا قاموا بإنجاز مهمة تأسيس الحزب الكبرى منذ فجر تاريخ تطور الأمة الصينية، وذلك في يوليو عام 1921 داخل مبنى صغير من الطوب والخشب بشارع وانغتشي رقم 106 في المستوطنة الفرنسية بشانغهاي. ومن فوره حمل الحزب الشيوعي الصيني على عاتقه منذ نشأته المهمة العظمى للكفاح من أجل الاستقلال القومي وتحرير الشعب، فسارت الثورة الصينية منذ ذلك في الاتجاه الصحيح، وأصبح لدى الشعب الصيني قوة قيادية، وأشرقت آفاق المصير الصيني. وقد وضع الحزب الشيوعي الصيني منهج الثورة الديمقراطية الأولى في العصر الصيني الحديث للمقاومة الشاملة للإمبريالية والإقطاع، وذلك بعد تأسيسه بعام أثناء المؤتمر الوطني الثاني، وعرض بوضوح "إسقاط أمراء الحرب، والإطاحة باضطهاد الإمبريالية الدولية، وتوحيد الجزء الأساسي من الصين (بما فيه المقاطعات الشرقية الثلاث) باعتباره جمهورية ديمقراطية حقيقية".

وكشف أن الحزب الشيوعي الصيني يقف موقفًا ثابتًا منذ نشأته، وهو موقف مصالح الشعب الصيني الأوسع انتشارًا. لقد كتب المؤتمر الوطني السابع للحزب الشيوعي الصيني عام 1945 (يُدعى اختصارًا فيما بعد "المؤتمر السابع للحزب"، وكذلك المؤتمرات المماثلة له لاحقًا) هدف "خدمة الشعب" رسميًّا في دستور الحزب، وحدَّد بوضوح "وجوب تحلي أعضاء الحزب الشيوعي الصيني بالهمة من أجل خدمة الشعب الصيني بكل إخلاص".

وأشار دنغ شياو بينغ: "إن المعنى أو المهمة لأعضاء الحزب الشيوعي الصيني تُقال في جملتين فقط إذا استعملنا لغة موجزة، وهما: الهمة في خدمة الشعب، واتخاذ جميع مصالح الشعب معيارًا أعلى لكل عضو في الحزب".

لقد رفع الحزب الشيوعي الصيني عاليًا شعار "إسقاط الطغاة المحليين، وتقسيم الأراضي" في ظل حالة الضعف الشديد لقوة الحزب، والظروف القاسية المفروضة عليه أثناء فترة أحداث جينغقانغشان، ولم ينسَ دائمًا الاهتمام بالجماهير ومساعدة الجماهير القاعدية بجد في حل مشكلات الحياة الإنتاجية، ووضع "قواعد الانضباط الكبرى الثلاث، ونقاط الانتباه الثماني لجيش التحرير الشعبي الصيني" من أجل تعزيز العلاقة بين الجيش والشعب. ومنذ شعار "مهاجمة الطغاة المحليين، وتقسيم الأراضي" في فترة حروب الثورة الزراعية حتى شعار "تقليل الإيجار والفوائد" في فترة حرب مقاومة اليابان، ثم بحلول حركة الإصلاح الزراعي في فترة حرب التحرير، كان الحزب الشيوعي الصيني يضع حل قضايا الفلاحين في مكانة مهمة من البدء حتى النهاية، وكان يسعى بهمة من أجل مصالح جماهير الشعب، فحصل على تأييد الجماهير العريضة وحبهم الصادق. وشكل 5.43 مليون شخص من جماهير الشعب أثناء حملة هوايهاي جيشًا قويًّا ضخمًا لدعم الجبهة، مستخدمين عربات اليد وأعواد الشيال والنقالات، وانضموا إلى جيش تحرير الشعب الصيني ليصبحوا قوة قاهرة للصعاب تكنس جيوش الكومينتانغ المؤلفة مثلما تبدد الريح القوية بقايا السحاب. لقد قال المارشال "تشن يي" عن ذلك، وهو مفعم بالمشاعر: "لقد جاء انتصار حملة هوايهاي باستخدام الشعب لعربات الدفع الصغيرة".

وأكد الكتاب، أن لم يكن الحزب الشيوعي الصيني لم يكن يضع مصالح الشعب في قلبه فقط، ولكنه أيضًا كان يحكم ذاته بصرامة، وكان نزيهًا بدرجة عالية. كان ماو تسي تونغ يتحدث ذات مرة بفخر أثناء المؤتمر السابع للحزب عن أن منطقة "شان قان نينغ" الحدودية (منطقة سُميت على أسماء المقاطعات الثلاث "شانشي – قانسو – نينغشيا" التي تقع على حدودهم- المترجم) هي المنطقة الأكثر تقدمًا في البلاد، وأنه لا يوجد بها ظواهر الموظفين الفاسدين، والاستيلاء على المال بالقوة أو الحيلة والدعارة، وغيرها من ظواهر الفساد.

إن ما يشكل تناقضًا واضحًا هو ظواهر الفساد بالغة الخطورة من جانب الكومينتانغ؛ فقد بعث تشيانغ كاي شيك موظفِي استقبال كبارًا إلى المناطق المحتلة لتسلم ممتلكات العدو فور الانتصار في حرب اليابان، ثم تحول "التسلُّم" سريعًا إلى "سلب ونهب"، فأخذوا شقق الموظفين الكبار وسياراتهم وأموالهم وذهبهم ونساءهم. لقد كشف الشعر الشعبي في ذلك الوقت عن مشاعر الناس، فقالوا: "إن كنتم تريدون الجيش المركزي وترغبون فيه، فقد سلب منكم المزيد، وإن كنتم تريدون تشيانغ كاي شيك وتتوقون إليه، فقد تسبب في التضخم".

كانت حكومة الكومينتانغ تنهب لحم الشعب ودمه بلا وازع من خلال إصلاح العملات والتضخم المالي، وغيرها من الوسائل. ومنذ مطلع عام 1945، كانت العملات الورقية تُطبع بصورة جنونية جدًّا، فلم تعد آلات الطباعة في الصين تستطيع إنتاج ما يكفي من العملات الورقية، فاضطروا في النهاية أن يذهبوا إلى الولايات المتحدة الأميركية لطباعتها. وأثناء طباعة 195 تريليون عملة ورقية من اليوان عام 1947، طُبع داخل الصين 58 تريليون يوان فقط، وكانت الولايات المتحدة الأميركية مسئولة عن طباعة 137 تريليون يوان، ولكن عندما كانوا في انتظار أن تنقل الطائرة هذه العملات الورقية من الولايات المتحدة الأميركية إلى داخل البلاد، "شعروا حينها بضياع جهودهم للأسف؛ لأنه مع ارتفاع الأسعار والتضخم، فلن يغطي ذلك احتياجاتهم". لقد فاقت سرعة ارتفاع الأسعار الصاروخية توقعات الناس بكثير، وكانت الأوراق النقدية التي طُبعت لا تكاد تخرج من المصانع في كثير من الأحيان حتى تكون أقل من سعر الورق نفسه وسعر طباعته، فلم يجد مجلس الإشراف على البنك المركزي مفرًّا من الإعلان عن طباعة ورقة نقدية جديدة من فئتي 50 يوانًا و100 يوان؛ لأن ما كان يُطبع لم يعُد يمكن استخدامه، فكانوا يُتلفونه ويرمونه.

لقد أصبح عدد الفابي (الفابي هي عملة كومنتانغية عام 1935 - المترجم) اللازم لشراء بقرة قبل حرب المقاومة، لا يكفي لشراء عود ثقاب بحلول عام 1948. وكانت الألف يوان في ليشوي بتشيجيانغ لا تكفي لشراء الورق المزخرف الذي يوضع على الأبواب والنوافذ، فكان السكان يلصقون عملة الألف يوان مباشرة على النوافذ. لقد كان ارتفاع الأسعار الجنوني يدخل العامة بمناطق حكم الكومينتانغ في هاوية أشد خطورة.

وقد اختتم الكتاب الذي ترجمته مريم محسن وراجعه كل من بنغ تشو يون ود. أحمد ظريف بباب يرصد ويحلل بالتفصيل الضمانات الأساسية لطول فترة حكم الحزب الشيوعي الصيني، والتي يمكن تلخيصها في: الإدارة الصارمة للحزب على نحو شامل، الاعتماد على التعليم، والاعتماد على الأنظمة أيضًا، والانطلاق من إحكام الحياة السياسية داخل الحزب، وحكم الموظفين بحزم، وإصلاح "الأساليب الأربعة"، وضرب "النمور" و"الذباب" معًا، وحماية الانضباط، والاهتمام بالقواعد والرقابة الشعبية الأشد قوة.