الصهيونية وغواية النموذج الأندلسي: كيف رد اليهود الجميل للعرب

في حقيقة الأمر كثيرة هي نماذج تفسير الحركة الصهيونية ونشأتها، وفي الغالب معظم نماذج التفسير هذه تكون على صلة ما بالواقع، وتمثل أحد روافد تشكيل الظاهرة ومنابعها، وتتراوح بين ما هو ديني وما هو سياسي وما هو قومي وما هو تاريخي، وما هو ذاتي (يهودي) أو ما هو موضوعي (غير يهودي). وظهر مؤخرا رأيا فكريا يمثله د.زيدان يقول بالاستلاب للآخر الصهيوني والغربي؛ ويقدم قراءة للتاريخ تقول بفضل اليهود والحالة اليهودية ككل على العرب، مقدما قراءة هشة وأدلة مغلوطة للعلاقة بين العرب واليهود. وهو ما جعلني أقدم هذه القراءة لحقيقة نشأة أزمة "المسألة اليهودية" في أوروبا وما تبعها من صراع سمي "معاداة السامية"، إلى أن وصلت أوروبا لمرحلة "الصهيونية". وهذه القراءة التي أقدمها تقول إجمالا بأن العرب المسلمين هم أصحاب الفضل على يهود أوروبا، في إدراكهم لذاتهم وتعرفهم على مقدراتها هناك، وفي الوقت نفسه كان الفضل العربي هو السبب في صراع يهود أوروبا مع البلدان الأوروبية. وللمفارقة انتهت المعادلة التي بدأت بالفضل العربي، بنكران الجميل من يهود أوروبا وتبنيهم مشروع الصهيونية واحتلال فلسطين! ولكن كيف ذلك؟

مداخل متعددة للصهيونية

سبق أن قدمتُ عدة مداخل لمقاربة الحركة الصهيونية في أبحاثي منها "الصهيونية الماركسية" ودور يهود روسيا الماركسيين في تنظيم ووضع أفكار هرتزل السياسية على الأرض. و"الصهيونية الوجودية" وتحول الحركة الشيوعية الصهيونية بعد إعلان إقامة دولة الاحتلال إلى نبوءة الخراب وانتظار يوم القيامة العربي الذي سيستعيد ما سلبته الصهيونية منهم مهما طال الزمن، و"القومية الثقافية اليهودية" التي تتحدث عن توافر على عناصر القومية عند الجموع اليهودية المشتتة في العالم بطريقة مغايرة، والحفاظ عليها عبر اختيارات ثقافية ذاتية كانت تورث وكانت تحل محل الروابط الفعلية والواقعية للجماعات القومية الأخري، وأثر تلك الاختيارات في الحفاظ على الجماعة اليهودية من الذوبان في بلدان الشتات والانسحاق في هويات قومية أخرى. وقدمت أيضا تصور اليهود كـ"شعب ترانسندنتالي" أو كـ "شعب متعالي" بالمفهوم الوجودي، أي لديه اختيارات سابقة يفرضها على نفسه وعلى الآخرين فكرتها المركزية هي التفوق او التعالي، واختيار مساحات من الوجود الإنساني تدعم هذا التفوق والتعالي، بما قد يدفع الآخرين لممارسة التعالي المضاد بدورهم تجاه اليهود، الذي قد يتطور إلى اضطهاد كلما تزايدت حدة الصراع على المكانة بينهم وبين الجماعة اليهودية.

مفاجأة النموذج الحضاري: الأندلس

لكنني سأطرح هذه المرة مدخلا حضاريا مدهشا وواقعيا للغاية لتفسير نشأة أزمة الوجود اليهودي في أوروبا منذ العصور الوسطي؛ والتي انتهت بظهور الحركة الصهيونية، واحتلال أرض فلسطين وتجميع يهود أوروبا فيها لحل أزمتهم التاريخية مع القارة العجوز، والمفاجأة التي كشفها استغراقي في فهم جذور أزمة اليهود في أوروبا، أن نقطة بداية "نموذج التفسير" الحضاري لأزمة اليهود هناك، وجدته يرجع للعصر الأندلسي، وما أسميته "أزمة النموذج الأندلسي" ليهود أوروبا.

الشتات الروماني الكبير

لاختصار الأمر سنقول أن خروج الجماعات اليهودية وشتاتها النهائي من فلسطين تم على يد الرومان في القرن الأول الميلادي، حيث تفرقوا في بقاع الأرض وعاشوا في تجمعات مغلقة تمارس حياتها في هدوء ولا تلفت الأنظار اليها، وكان حلم عودتهم لفلسطين يدور في المنطقة الدينية وفي نهاية الزمان! وتقبلت الجماعات اليهودية هذا التصور الديني ولم يعد يزورهم حلم التحول لجماعة سياسية كبري مرة أخري، أو العودة لفلسطين (وجبل صهيون في القدس) والتحول لدولة تستعيد التاريخ التوراتي القديم مرة أخرى.

الاندلس وخلق الوعي المغاير بالذات لدى يهود أوروبا

إلا أن الذي كسر النمط اليهودي التقليدي وثقافته القومية الموروثة؛ كان وللمفارقة هو الحضارة العربية الإسلامية في أوروبا، في بلاد الأندلس، حينما للمرة الأولى تقريبا منذ الشتات الروماني -وعلى نطاق واسع- اتخذ شكل وجود الجماعات اليهودية في أوروبا سمات القومية الواقعية، وسمحت لهم الحضارة العربية الإسلامية هناك بالتجمع من بقاع أوروبا المظلمة، فنهلوا من علوم الحضارة العربية، وأحيوا اللغة العبرية (عرفت بعبرية العصر الوسيط) مستفيدين من صلات القرابة بينها وبين العربية، وحاكوا الشعر العربي والمقامات ونشطوا في التأليف والكتابة، وبرعوا في الطب واعتلوا المناصب السياسية العليا في البلاط الأندلسي! ليتحقق ما أسميه "النموذج الأندلسي اليهودي" الذي سأعتبره نقطة البداية في نشأة أزمة يهود أوروبا التي أوصلتنا للحركة الصهيونية، ومن ثم احتلال أرض فلسطين العربية.

ولكن كيف تحول "النموذج الأندلسي" لدى اليهود إلى مصدر أزمة ونقطة تحول حضاري في الذاكرة اليهودية الأوروبية! ذلك هو مصدر المسكوت عنه في الفكر اليهودي والمقاربات الغربية لنشأة الأزمة اليهودية في أوروبا. فلقد استقر في ذهن يهود أوروبا الذين استقروا في الأندلس فكرة الجماعة ذات السلطة والنفوذ والسمات الواقعية المشتركة، بعدما كانوا يعيشون على سمات "القومية الثقافية" كاختيار متوارث. وظهرت الأزمة جلية عندما اجتاح الأوروبيون الحضارة الأندلسية ومحوا كل آثارها بما فيه الوجود اليهودي هناك.

تحول وعي يهود أوروبا إلى "الشتات المأزوم"

انعكس شتات يهود العالم، لينتج ما يكمن ان نسميه "الشتات الأندلسي". ويختلف الشتات الأندلسي عن "الشتات الروماني" الكبير، في ان الشتات الروماني قتل روح الجماعة بلا عودة عند الجماعة اليهودية وجعلهم في انتظار نهاية الزمان ليعودوا لفلسطين في سياق ديني! لكن "الشتات الأندلسي" كان "مأزوما" على العكس تماما، فقد أيقظ روح الجماعة وذاكرتها عند يهود أوروبا، وجعلهم يحلمون في كل مكان يذهبون إليه هناك بإعادة إنتاج "النموذج الأندلسي"/ الحلم، حين كانوا قوة لها ثقلها وسماتها الواضحة، وهو ما رفضته أوروبا المسيحية تماما، عكس أوروبا/ الأندلس (المسلمة) التي سمحت لليهود بالتجمع فيها من شتي بقاع أوروبا وأعطتهم كل الحقوق. وهذا التناقض بين ذاكرة "النموذج الأندلسي" ورغبة يهود أوروبا في إعادة إنتاجه من جهة، وعلى الجهة الأخرى التشدد المسيحي الأوروبي في العصور الوسطى، أنتج عندنا ما عُرف بالأزمة اليهودية (المسألة اليهودية) في أوروبا، التي عرفت بـ"معاداة السامية" هو مصطلح أطلق على تاريخ عداء الدول الأوروبية ليهود أوروبا في فترة العصور الوسطى وبعد "الشتات الأندلسي".

الدول الأوروبية والصدام المستمر مع يهود "الشتات الأندلسي"

فلقد تسببت ذاكرة "الشتات الاندلسي" ومحاولة يهود أوروبا إعادة إنتاجها، في كل بلدان أوروبا التي رحلوا لها بعد انهيار الدولة الأندلسية، تسببت في الصدام المستمر بين أوروبا المسيحية ومواطنيها اليهود، خاصة حين استدعى يهود أوروبا من "قوميتهم الثقافية" المتوارثة فكرة "الشعب المتعالي"، وامتهنوا الأعمال النوعية التي تثبت تفوقهم على سكان أوروبا المسيحيين، مما جعل الأوروبيين يعطون للصراع الحياتي مع اليهود بعدا دينيا، وتتوالي عمليات الطرد ليهود أوروبا من كل بلد حاولوا التجمع فيها هناك، وأصبحت المعادلة كالتالي: يريد الأوروبيون يهود ما قبل "النموذج الأندلسي" المتقبلين لـ"الشتات الروماني" الكبير، الذي جعلهم لا يحلمون بفلسطين سوى ضمن سياق ديني وعند أحداث نهاية العالم، يرغب الأوروبيون عودة اليهودي الطيع المسالم المندمج بهدوء وانسحاق داخل مجتمعاتهم، ببساطة يريدون الصورة النمطية ليهود الشتات الروماني التاريخية أو الصورة الدينية لليهود الذين رفضوا المسيح (عليه السلام) وخانوه. لكنهم رفضوا بشدة ما اكتسبته ذاكرة يهود أوروبا بداخل "النموذج الأندلسي".

وجود مأزوم حتى نهاية القرن التاسع عشر

من هنا نشأت "المسألة اليهودية" في أوروبا، واستمر الصراع بين ذاكرة "النموذج الأندلسي" الذي أصبح هو الشتات الحقيقي ليهود أوروبا، وبين رفض دول أوروبا المسيحية تحول اليهود داخلها لقوة قومية مؤثرة، وإصرارهم على صورة نمطية خاضعة ليهود ما قبل "النموذج الأندلسي"، مما جعل الوجود اليهودي داخل معظم بلدان أوروبا حتى القرن التاسع عشر ينتهي نهاية مأساوية، تصل لحد استخدام السلاح والعنف الجماعي والطرد ضدهم من كافة حدود الدولة التي تستضيفهم. حيث كان "النموذج الأندلسي" هو الشبح/الحلم الذي يطارد يهود أوروبا ويأبى أن يترك ذاكرتهم، وكان هو مصدر أزمتهم الحضارية والتاريخية مع سكان أوروبا وأهلها المسيحيين، تاركا في ضمير القارة الأوروبية جرحا لا يندمل، ومسألة لا حل لها.

هرتزل وأوروبا: نقل أزمة النموذج خارج أوروبا

ولكن العجب العجاب كان حل أزمة "النموذج الأندلسي" في أوروبا على حساب أصحاب الفضل كما سيتضح! عن طريق تقديم هرتزل لفكرة إعادة إنتاج "النموذج الأندلسي" خارج أوروبا، وتقديم النموذج السياسي الجديد وكأنه امتداد للمشروع الأوروبي الحضاري (كي يمر من تحت أسنان أوروبا). وتمكنت فكرة هرتزل من إعادة إنتاج "النموذج الأندلسي" خارج القارة، أن تحل "المسألة اليهودية" التاريخية المعقدة في أوروبا، فلقد حققت هدف يهود أوروبا التاريخي بالانتصار وإعادة بناء الحلم الأندلسي مرة أخرى، وحققت هدف القارة العجوز بأن تخلصت من الوجود اليهودي القلق على أرضها.

تبني هرتزل النموذج الأوروبي بدلا من مواجهته في ثلاثة انتصارات رئيسية

وقد حقق مشروع هرتزل ثلاثة انتصارات رئيسية هى التي وضعته حقيقة على الأرض.

أولا، انتصاره على كافة تصورات دمج الوجود اليهودي داخل المجتمعات الأوروبية، وهو بالطبع ما دعمته أوروبا لرفضها تاريخ "النموذج الاندلسي" ليهود أوروبا على أرضها، لذا فنجح هرتزل بذكائه في تفكيك كل طموح وإصرار يهود أوروبا على التمسك بحلمهم وتاريخهم القديم هناك، ونجح كذلك في استيفاء شروط الحصول على الدعم الأوروبي.

ثانيا، انتصر هرتزل (عن طريق استيفاء شروط الموافقة الأوروبية) باستبعاد إعادة إنتاج "النموذج الأندلسي" في عدة دول مثل الأرجنتين في أميركا اللاتينية، أو إحدى بلدان القارة الإفريقية، وقبلت أوروبا بفلسطين حيث حدثت هنا المفارقة العجيبة (وأغلقت دائرة الفضل العربي على يهود أوروبا بأن تحول يهود أوروبا لقوة غزو خشنة طويلة الأجل، لكبح الاحتمالات الكامنة للذات العربية واستنزافها في صراع له تاريخ أوروبي مأزوم بالفعل ولا يمكن العودة به للوراء بسهولة). فكانت المعضلة بأن جاء حلم يهود أوروبا بإعادة بناء "النموذج الأندلسي" على حساب احفاد أصحاب الفضل.

قدم هرتزل مشروعه السياسي لبناء وطن قومي لليهود كامتداد سيدعم المشروع الغربي في صراعه مع الشرق العربي المسلم. قدم مشروعه السياسي في صورة قبلتها أوروبا، واستطاع هو وأوروبا أن يقدموا فيما بعد سياقات ونظريات كمخارج معرفية ناعمة ومنمقة، دارت حول الإنسانية والأحكام الكلية وتهميش وجود الآخر العربي ووجوده.

ثالثا، نجح مشروع هرتزل في اختراق اليسار اليهودي الروسي، أقوى كتلة يهودية في أوروبا كانت تقول بالاندماج هناك، وذلك حينما صُدم يهود روسيا بأعراض "النموذج الأندلسي" وما يصاحبها من اضطهاد جماعي، فيما عرف بأحداث اغتيال القيصر الروسي، حيث بعدها تخلى اليسار اليهودي الروسي عن طموح الاندماج في الذات الأوروبية، وتبنى تصور هرتزل عن بناء "نموذج اندلسي" ليهود أوروبا خارج القارة. وقد قدمت هذه الكتلة اليهودية الروسية دورين محوريين بعد استقلالها عن التنظيم الماركسي الروسي الأم.

الأول أن قدمت نفسها في سياق القبول الأوروبي أيضا، حيث اعتبرها اليسار الروسي والغربي مع الزمن حركة تمثل الاحتلال التقدمي، قدمت تصورا عن دولة ستجمع يهود أوروبا وعرب فلسطين في ظل شكل عمالي، واعتبرها الروس بعد مداولات رأس حربة للماركسية في الشرق الأوسط.

أما الدور الثاني فمرتبط بالظروف التي جعلت هذه الكتلة تتخلى عن الاندماج وتتبنى مشروع "نموذج أندلسي" خارج أوروبا، ولولاها لما نجح هرتزل في احتلال فلسطين! فلقد تحولت التنظيمات اليهودية الروسية بكل ثقلها لتبني الصهيونية (بعدما صبغتها بصبغة ماركسية)، ونظمت الهجرات وأقامت المستوطنات الجماعية وأجنحتها المسلحة وأسست الأحزاب والمنظمات السياسية الرئيسية ( وعلى رأسها الهستدروت- الاتحاد العام لعمال إسرائيل).

"الشتات الأندلسي" بين يهود أوروبا ويهود الشرق

وهكذا كان "النموذج الأندلسي" الذي استوطن ذاكرة يهود أوروبا، هو "شتاتهم" الحقيقي، وكان رد الجميل للحضارة العربية، هو تخلي هرتزل عن حلم الصراع مع أوروبا القديمة لإعادة إنتاج "النموذج الأندلسي" هناك، بل وتبني إقامة "نموذج اندلسي" جديد على أرض العرب في فلسطين؛ وهنا سوف نلمح أحد جوانب الاختلاف بين ذاكرة يهود الشرق وذاكرة يهود أوروبا.

يهود أوروبا يميلون دائما للعنف والصدام لأن هذه هي ذاكرة "الشتات الأندلسي" في أوروبا وتاريخ المواجهات الدموية هناك مع البلدان الأوروبية. أما يهود الشرق فعلى المستوى التاريخي لم يصطدموا بهذه الحالة الحضارية المأزومة مع بلدان الشرق، وعلى مستوي الوعي الذاتي هم أقرب للتعايش من فكرة الهيمنة والمواجهة القادمة من ذاكرة يهود أوروبا، ولأنهم في الأصل الامتداد الطبيعي لذاكرة "الشتات الروماني" التي لا ترى في العرب عدوا، وتعرف أن جذر الأزمة كان مع الرومان ممثل الحضارة الأوروبية قديما، ولم يتم خلخلة وعيها المعرفي كلية (باراديم شفت) كيهود أوروبا، لتفتعل حالة من الصراع مع العرب وتستحضر من "مستودع الهوية" اليهودي الديني ما يزكي ذلك.

فضل العرب كـ"عامل محدد" لهوية يهود أوروبا

هكذا خلق التسامح العربي الإسلامي ذاكرة الجماعة اليهودية في أوروبا وحلمها، وشكلها بروافد الحضارة العربية المتعددة، وكان العرب بتسامحهم هم مصدر الأزمة في تاريخ يهود أوروبا، حينما تمت مواجهة الطموح اليهودي في بلدان أوروبا بتكرار "النموذج الأندلسي" بكل عنف وقسوة، وتظل الحلقة المفرغة مستمرة؛ هجرة جماعية ليهود أوروبا من بلد إلى بلد سعيا وراء حلم "النموذج الأندلسي"، حيث خلق التسامح العربي ليهود أوروبا ازمة شكلت "العامل المحدد" لهويتهم حتى اللحظة الراهنة! نعم فعرب الأندلس والحضارة الإسلامية بما منحته ليهود أوروبا، جعلهم لا يستطيعون الفكاك من حلم تكرار التجربة والنموذج.

وتصل المفارقة لمداها حينما تدور الدائرة وتستمر الحلقة المفرغة في دورانها، بين أوروبا وبين يهود "الشتات الأندلسي" حتى تكسر المعادلة وترحل الأزمة خارج القارة الأوروبية على حساب العرب وقلبهم النابض الذي يفصل بين عرب آسيا وعرب أفريقيا، هذا الزاوية أهملتها جل الدراسات الغربية واليهودية التي تبنت مشروع هرتزل الذي اتخذ اسم الصهيونية نسبة إلى جبل صهيون في القدس العربية، ملتقى أديان السماء الثلاثة الكبرى.

هل حل هرتزل الأزمة أم نقلها وربما ترتد لأصلها!

فضل الحضارة العربية على يهود أوروبا دامغ ومستقر. ولكن هرتزل نجح في قلب المعادلة التاريخية تماما بين أوروبا وبين يهودها (يهود الشتات الأندسي، فيجوز تقسيم يهود العالم إلى قسمين، قسم تأثر بالشتات الروماني وهم يهود العالم خارج أوروبا، وقسم استقر في ذاكرته "الشتات الأندلسي" وهم يهود أوروبا). نجح هرتزل في استيفاء شروط أوروبا، لكنه أدخل يهود أوروبا ومعهم العرب والعالم في دائرة مفرغة جديدة، ليس هناك من حل لها سوى طريقين مُرين، سوف ينتجان شتاتا يهوديا طوعيا لا محالة. فالصهيونية حتى تُدمج داخل المشروع الاستعماري الأوروبي اتسمت بسمات الهيمنة والعنصرية وأخرجت من الشخصية اليهودية أسوأ ما في "مستودع هويتها" الديني، ومسحت بالحديد والنار وشم الحضارة الأندلسية وفضل العرب على يهود أوروبا وذاكرتهم الجماعية!

لا انتصار إلا ببزوغ شعلة نموذج حضاري عربي

هل يقبل يهود هرتزل بالتحول لمجرد رافد في نهر ورثة الحضارة العربية الأندلسية، هل يتخلون عن "طبقة الوعي" المتعالي التي صُنعت لهم في آتون "المسألة الأوروبية"، والاضطهاد والاضطهاد المضاد هناك! لن يطرح السؤال الحضاري الملح على يهود هرتزل، ليتذكروا فضل الحضارة العربية الأندلسية إلا حينما يتحول ورثتها العرب إلى نموذج حضاري جديد، حينها يكون الكلام الجد.

وإلى ذلك الحين، وحتى مخاض الذات العربية الجديدة، سوف نبقى نحن حراس الذاكرة، سوف نصمد ونمرر الحلم جيلا وراء جيل، وسوف نحافظ على الذات العربية كمستودع ووعاء حضاري كامن، في مواجهة دعاة الاستلاب العرب وفي مواجهة محاولات الصهيونية والغرب فرض الأمر الواقع والهيمنة، وكلما دفعوا العجلة للأمام، كلما زادوا الضغط على الوعي العربي الآمل، وصاروا ناقوس يقظته.

(هذا المقال كان مشروعا بحثيا أعده ليصدر في كتاب صغير لأهميته؛ ولكن المعركة عجلتْ بخروجه للنور في صورة مقال، عجلتْ به بشارة ووهجا سيأتي الوقت الذي أقدمه في صورته المتخيلة عندي ككتاب وعمود في الخيمة الكبرى.)