عدنان الصبَّاح يعاين إشكالية الفكر والفعل

الأمة التي تنتج الثروة تنتج فكرها

عمّان ـ في كتابه "الفكر.. وعي الفعل"، الصادر مؤخرا عن الآن ناشرون وموزعون في عمّان، محتويا على إحدى وثلاثين مقالة تتمحور حول الموضوع، ويقع في (288) صفحة، يحاول الكاتب والمفكر الفلسطيني عدنان الصبّاح تقديم رؤية فكرية جديدة لجدلية العلاقة بين الفكر والفعل، على قاعدة السياسي على الأقل، بما يخدم القضايا العربية بشكل عام، والقضية الفلسطينية بشكل خاص.

يرى الكاتب أهمية خاصة لهذا الموضوع، على ضوء كثرة الحديث عن الفكر ودوره في معارك الأمة في التحرر والتقدم، موجهاً سهام نقده، للتعاطي العربي مع هذا الموضوع، إذ انتبه الكاتب إلى أن التعاطي العربي يدور في حلقة مفرغة، إذ أن المفكرين يتناولون الموضع في إطاره النظري، بمعزل على الفعل، لذلك بقي العرب المعاصرون يراوحون في مكانهم، غير فاعلين على مسرح التاريخ. فيقول:

"إن التناول الفج لموضوع الفكر بمعزل عن تناول الفعل الإنساني للأمة نفسها هو ضرب من العبث لا معنى له أبداً، كما أن قراءة فكر الذات على أنه الفكر المطلق وببُعده التاريخي بمعزل عن أي تطورات، وبدون إخضاعه لمختبر الحِراك الإنساني بكل تجلياته هو ضرب من العبث أو الترف اللغوي لا جدوى منه على الإطلاق، وهو يشير إلى خواء الفعل الذي أفضى إلى خواء في الفكر رُحنا نحاول ملئه بأغاني الماضي النشاز".

يعرِّف الكاتب الفكر على أنه «وعي الفعل الجماعي مرفوعاً لحد المطواعية والقدرة على التحول إلى آليات لمعاودة الفعل بشكل أفضل، والمفكر هو قارئ مشارك بالفعل وفاحص وبانٍ مُبدع لفعل المُنتجين وعياً».

ويضيف أن الأمة التي تنتج الثروة تنتج فكرها، والأمة التي تستهلك الثروة تستهلك فكرها، ذلك أن باحثينا اليوم يغرقون في قراءة التاريخ ويراوحون مكانهم في ذلك تماماً كمن يجترّ الذكريات، فالأجداد كانوا فاعلين على الأرض؛ لذا صاغوا فكرهم الذي ما زال حياً حتى الآن. وأن الأمة اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مجتهدين جُدد وعصريين، ولكن ليس بالمعنى الفردي، بل بالمعنى الجماعي، فالفكر الفردي اليوم لا وجود له، ولم يعد بإمكان رجال الدين وحدهم الادعاء اليوم بأنهم أصحاب العِصمة المُطلقة في تقرير التحليل والتحريم ووضع الحدود والتقرير بحياة البشر ومصائرهم فقط لكونهم يُتقنون قراءة النصوص الدينية، فتطورات العصر والثورة الرقمية والحجم الهائل والثوري للاكتشافات العلمية، والدور الذي يضطلع به العلماء في كافة حقول المعرفة اليوم يجعل دورهم جزئياً وليس كلياً مشاركاً، وليس مطلقاً، والهالة التي يضربها البعض حول شخصه واسمه لمنع مناقشته يجب أن تنتهي؛ فالقداسة بين بني البشر هي فقط للأنبياء، والطاعة المطلقة لمَن لا ينطقون عن الهوى مُلزِمة لنا تجاه الأنبياء فقط، وليس للبشر أيّاً كانت صفاتهم.

ويشير الكاتب أيضاً إلى أن الرفض المطلق للآخَر غير موضوعي وغير علمي، وأن الفكر الدنيوي للآخر هو صياغة بشرية لا يجوز تحريمها قبل فحصها، وحكاية التقليد الأعمى أو الرفض المطلق للغرب لا تُسمن ولا تغني، وهي تَقوقع لا معنى له، وأن الذي لا يتلاقح مع الحضارات يصيبه الموات، فالمستقبل بكل تجلياته هو للتقدم والانفتاح دون أن يعني ذلك الذوبان، بل بالعكس، فلا يوجد فكر نقي كالأعراق العنصرية في القرن الحادي والعشرين، فالفكر النقي الخالص هو تماماً كالعنصرية التي تدّعي نقاء جنسها، وعلى العكس من ذلك، أن تداخل وتفاعل الأفكار هو الرد على العنصرية المجنونة، مؤكداً أن الفكر العربي المنزوي في الغُرف المظلمة خشية الآخرين هو فكر جبان لا يستحق الحياة.

كما يوضح الكاتب أنه لا وجود لفكرٍ مقاوم دون مقاومة، وأن المقاومة تحتاج لفكر يساعدها في التطور وتحقيق الانتصار. فالمستقبل ليس لغة، وإنما فعل حي على الأرض تماماً كما هو التاريخ الذي يعتبر تسجيلاً للفعل البشري ومكوناته وتأثيراته على الأرض والأحياء، وبما أن الفكر ليس لغة مختلقة بل هو قراءة واعية ومُبدِعة لواقع الفعل وحركته، فإنه يعتبر إفرازاً طبيعياً لتفاعل طرفَي معادلة هما الإنسان الجماعي والطبيعة.

ويوجه الصبّاح سهام نقده الحادة إلى المشتغلين بقضايا الفكر في العالمَيْن العربي والإسلامي، مشيراً إلى أنهم يعيشون في قصور من الهواء وفي الهواء وهم يتعاملون مع المتلقي بشكل فوقي، معتقدين أنه يخضع لدونية في مراتبية يؤلفونها هم بعيداً عن الواقع دون أن يدركوا أن المتلقي الفاعل نفسه هو منتج الفكر الفاعل نفسه، وأن الأمة العاقر في الفعل هي عاقر أيضاً في الفكر، ولا ولادة وهمية في عالم وهمي ومبني في الهواء، وأي محاولة لادّعاء وجود فكر لأمة لا تساهم مساهمة حقيقية وفاعلة في خيرات الأرض من قِبل الصناع الحقيقيين للثروة هي محاولة بائسة ووهمية تماماً كفكرها اللفظي الذي لا علاقة له بالواقع الفاعل والملموس.

مؤكداً أن الأمة التي لا تمارس الفعل الحي لا يمكن لها أن تمتلك فكراً حياً ولا بأيّ حال من الأحوال، ذلك أن الفكر إنما هو صدى الفعل الحي على الأرض، وعادة ما احتاج الناس لعقولهم من أجل تطوير أدوات عملهم التي تؤسس لقدرتهم على الحياة أولاً بمعناها الجنيني، وبذا فإن الفعل عادة ما يسبق الفكر، فأنت قد تبدأ بالبناء ثم تكتشف أنه يمكنك أن تستخدم طريقة ما للتسهيل أو للتسريع أو لأي غرض آخر يعني التطوير نحو الأفضل، فنحن نعمل لنكتشف، ثم نعمل وفق اكتشافنا ليبدو الفكر أصبح سباقاً هنا، وليصبح الفكر أداتنا للتطور والتقدم لا للانحناء إلى الوراء للإمساك بما كان لنا والارتهان له دون فحصه على ضوء مُتغيرات كل عصر من العصور.

ومن عناوين مقالاته في الكتاب: "جدلية الفكر والفعل"، "الفكر العربي حقيقة أم وهْم؟"، "الحداثة في التفكير السياسي العربي"، "العلمانية عند العرب .. من الأصالة إلى البؤس"، "تاريخ مُشوه.. يقين بعيد"، "كلّما اختلفت مع رأيه سحب «مُقدسه» الشخصي وأفرغه في رأسي"، "المشافهة ثقافة المُستبد والمرتجف معاً"، "الماضوية.. خواء الحاضر"، " احتكار الحقيقة.. احتكار المنفعة"، "الإمبريالية هي المشكلة وليس الإسلام"، "العرب.. غياب الفعل غياب الفكر"، "عصرنة التأصيل في مواجهة تحديات التحديث"، "البشرية مقابل حفنة لصوص".

يذكر أن عدنان الصبّاح مفكر وكاتب فلسطيني، من مواليد 1955، مدينة جنين، مؤسس ورئيس الحملة الدولية لتوثيق جرائم الحرب. وهو عضو مؤسس لاتحاد الكُتاب الفلسطينيين في القدس، وعضو هيئته الإدارية لأكثر من دورة، ورئيس مركز جنين للإعلام، مقيم في مدينة جنين في فلسطين.

صدر له: "العرب بين الشخصنة والجَتْمَعَة"، و"درب الخبز والحديد"، و"برد الوحدة"، و"من يوميات مواطن"، و"مخيم جنين - ربيع 2002 (بالعربية والإنجليزية والفرنسية)"، و"بصدد ما ينبغي تعلمه (دراسة عن فكر ونشاط الحركة العمالية الفلسطينية)"، و"سنابل شمالية".

وله أبحاث منشورة، منها:" أولويات الإعلام الفلسطيني"، و"المنظمات غير الحكومية ودور الإعلام في حماية حقوق الإنسان"، و"المعاملة القاسية وضروب التعذيب"، كما نشر عدداً كبيراً من مقالاته وأبحاثه ودراساته في دوريات عربية.