المواطن الصحافي يعلم المراسل الصحافي في إيران درس الحقيقة

مع أنه من السابق لأوانه أن نبدأ مراسم دفن المراسل الصحافي، لكن علينا الاعتراف بأن هذا المراسل إن وجد في الاحتجاجات المتصاعدة في المدن الإيرانية، لا أهمية له إن لم يغط الحدث على حقيقته، أو يتنحى جانبا إن كان خائفا.

الإيراني الثائر على التعسف والتخلف، والمواطن الصحافي الدائر في مسيرات الاحتجاج، يمارسان دور المراسل بامتياز، وهما موضع ثقة كبرى وسائل الإعلام في العالم، لأن الحدث المنقول لم يكتف بالكلمات بل وثق الثورة الإيرانية الجديدة على الملالي بالصورة، وتلك لعمري، إدانة لكل المراسلين الأجانب في الشارع الإيراني، فلم يعودوا شهودا للحقيقة بعد أن تغاضوا عن عمد أو جبن أو مواراة عن قول الحقيقة.

يبدو من المناسب لجميع المراسلين الأجانب في إيران، استعادة كلام راسل بيكر المراسل السابق لصحيفة نيويورك تايمز، بعد استعارة كلامه ومطابقته على ما يجري في إيران، فهذا يعني عدم وجود صحافيين يغطّون الأحداث هناك، بل يوجد صحافيون يغطيهم الخطاب الرسمي الإيراني!

يمكن أن نجد مثل هذا الكلام في تصريحات الملالي في قناة “برس تي في” الإيرانية التي تبث باللغة الإنكليزية، فلديها القدرة المريعة على عدم الخجل، وهي تعالج الأحداث المتصاعدة وكأنها غير موجودة إلا في ما يقوله الرئيس الإيراني حسن روحاني والمرشد الأعلى علي خامنئي.

الحدث لا يصنعه الملالي في طهران اليوم، بل يوجد في الشارع الثائر على إعادة إيران إلى قرون الظلام الطائفي. وتلك مهمة المراسل الصحافي في تسليط “لقطة واحدة وواضحة على الحقائق من أجل الجمهور الذي يستحق ذلك بجدارة حتى يتمكن من تحديد من هم الرجال الصالحون ومن هم الأشرار”، حسب تعبير روبرت كايسر المحرر في صحيفة واشنطن بوست.

لكن لسوء الحظ فإن الكاتب ديفيد إغناتيوس يعتذر من نفسه ومن زملائه الصحافيين بالقول “حتى في أفضل أيامنا، فإننا لا نفي دائما بهذا الاختبار العسير”. في تسليط لقطة واحدة وواضحة على الحقائق.

لقد فشل المراسلون الأجانب في إيران بنفس القدر الذي نجح فيه المواطن الصحافي الإيراني، فبينما كانت تعلو أصوات المراسلين على أفعالهم، وهم يقدمون متابعات بسيطة لأحداث خطيرة، كانت عدسات هواتف المواطنين الصحافيين تهرب صور الحشود الغاضبة من دون تشويه أو مبالغة أو تلفيق.

بالأمس انتقد إليوت أبرامز، الباحث في دراسات الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية الأميركية، أداء المراسلين الأجانب في إيران، مشيرا إلى أن الحكمة تقتضي أن يراقب كل مراسل في إيران ما يقوله في تقاريره، إلا أن عناوين ومحتوى صحيفة نيويورك تايمز مثلا عن انتفاضة إيران جاءت “مضللة” لأنها اعتبرت أن ما يحدث هو “احتجاجات اقتصادية فقط” في محاولة لتفريغ المظاهرات من محتواها السياسي.

وتعكس التقارير الإخبارية المتحفظة التي أعدّها توماس إردبرنك مدير مكتب صحيفة نيويورك تايمز في طهران، الحذر وخشية إبعاده من إيران، حسب أبرامز، ولذا جاءت خالية من الشعارات السياسية التي رفعها المتظاهرون مثل “الموت أو الحرية”.

ومثال مراسل نيويورك تايمز يعبر بامتياز عن خيبة اغناتيوس بالصحافيين، ففي أفضل الأيام التي يجب أن تحتفي الصحافة بدورها في كشف تغوّل الفساد والظلم، تفشل في ذلك بمداهنة أنانية لتخلف ملالي طهران.

لم تستطع صحيفة على درجة عالية من الحساسية كالغارديان البريطانية تقديم مادة إخبارية مفصلة عن الحدث الأهم مع بداية العام الجديد، واكتفت بتحليلات مترددة ومحبطة عما يجري في إيران، فيما سقط محرر على درجة من الأهمية مثل سايمون تيزدول في فخ الدعاية الإيرانية، عندما ركز على أعداء إيران متجاهلا أهمية ما يجري في إيران نفسها، بقوله “إن خصوم طهران يراقبون التطورات الأخيرة مثل الطيور الجارحة التي تحلق في السماء فوق الصحراء، متأملين أن تؤدي هذه التطورات إلى انهيار النظام”.

ويرى تيزدول أن سقوط النظام في طهران سابق لأوانه، محذرا من أن ضعف للنظام في إيران قد يؤدي إلى تصعيد خطير في التوتر الذي يسود المنطقة.

وتلك قصة مستمرة لجهل إعلامي بالجغرافيا السياسية في المنطقة من قبل صحافيين غربيين، أو قفز على أسباب التوتر الخطير الذي يسود المنطقة بفعل الأذرع الإيرانية.

أمام كل ذلك التهاون وتردد المراسلين الصحافيين إزاء الاحتجاجات المتصاعدة في إيران، تبرز صورة التقطتها عدسة هاتف مواطن صحافي إيراني على درجة من الذكاء والبراعة، لفتاة إيرانية تقف على صندوق وسط الاحتجاجات، خلعت حجابها الأبيض المفروض عليها بسلطة الملالي وعلقته فوق عصا.

قد تبدو هذه الفتاة وكأنها تلوح بعلم أبيض في إشارة إلى الهدنة أو الاستسلام، وقد توحي أيضا بما يشبه “شنق الحجاب” تقليدا لصور الشنق المنتشرة هناك، ولكن نظرا لوجودها في بلد تحكمه الدكتاتورية الدينية وتلزم النساء بارتداء الحجاب، فإنه إشارة غير مسبوقة إلى التمرد والرفض والثورة لشابة إيرانية تمثل جيلا عاش الإحباط والظلم بأقسى صوره، جيل افتقد الحرية الاجتماعية والسياسية منذ صعود رجال الدين إلى الحكم وتحويل البلاد إلى مدرسة تاريخية للطائفية.

كان يفترض أن يلتقط هذه الصورة مصورو وكالات الأنباء العالمية أو المراسلون الصحافيون أو مراسلو القنوات التلفزيونية التي طالما تباهت المحطات الفضائية بوجودهم دائما في أرض الحدث.

لكن المواطن الصحافي الإيراني الشجاع علمهم جميعا الدرس الإعلامي الذي كان يفترض أن يقدموه للجمهور المترقب، الدرس الذي يواصل تقديمه بشجاعة على منصته الخاصة ومواقع التواصل، مخترقا الحجب والمنع.

أيها المراسلون الأجانب لكبار الصحف والوكالات العالمية في إيران، كم كنتم صغارا أمام المواطن الصحافي الإيراني الشجاع.