من يجر تونس إلى المجهول

هل نملك ونحن نتابع بمرارة تفجر الأحداث السياسية داخل الحكم وخارجه إلا أن نطلق زفرة غالبية التونسيين الحنونين على البلاد سلاما على تونس الآمنة فهي عصية كل العصيان على عواصف السياسة الآفلة التي تسللت إلى حاكمين ومعارضين لتقود التونسيين من أزمة إلى أخرى في حالة تشبه العبث بصناعة سياسة وطنية توحد ولا تفرق بعيدا عن فرق تسد واكتفاء الائتلاف الحاكم بإدارة الشأن العام والتسويات أو غرق الأحزاب في إدارة الشأن الحزبي وإشعال فتيل الحرب على المواقع تحت عناوين لا يرى فيها الناس سوى نوع من البوليتيك.

وهل نملك إلا أن نعترف بأن أكثرية السياسيين يتسلحون بمهارات عالية على تحويل مفهوم السياسية من فن صناعة الممكن إلى فنون صناعة المستحيل وحياكة الأزمات وقلوبهم تخفق "اللهم أضرب الآخرين بالآخرين وأخرجنا من بينهم سالمين"، ألسنتهم على الوحدة الوطنية وأفئدتهم عليها متجاهلين أن الأرض التي يمتد تاريخها إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام تلفظ أي شكل من أشكال الاستخفاف بها ولم يعلو فيها سوى صوت العقلاء والحكماء الوطنيين الذين صاغوا تونس دولة وشعبا وكان لهم الفضل في رسم خارطة سياسية مدنية تكاد تكون الوحيدة في المنطقة.

سيقول الذين في قلوبهم مرض إن هكذا حديث افتراء وتجنيا لا يحدث به سوى الرافضين والمناوئين الذين لا يعترفون بالجهود التي تبذل لبناء تونس الجديدة التي تتسع لكل التونسيين. ونقول لهم نحن أول المعترفين، لكننا في نفس الوقت نحن أول الناقدين لسياسة مرتعشة لائتلاف حاكم في وقت تحتاج فيه البلاد سقف عال من الجرأة بل القسوة إن لزم الأمر ونحن أول الناقدين لتدني أداء الطبقة السياسية بشرائحها سواء منها المعارضة والمستقلة أو تلك التي تقع ما بين بين، لا فقط في ما يتعلق بإدارة الشأن العام أي تصريف الأوضاع العامة وإنما بشأن صناعة سياسة وطنية مدنية ترقى إلى مستوى وعي اتجاهات الرأي العام وتطلعاته المشروعة.

من الصعب فهم الأحداث السياسية الحالية التي اتخذت نسقا تصاعديا وبدت مرشحة إلى الزج بتونس في أزمة سياسية هي في غنى عنها خارج سياسة الائتلاف الحاكم من جهة وخارج أجندات الأحزاب السياسية من جهة أخرى، بل من الصعب فهمها خارج العملية السياسية في ذاتها التي ارتهنت كثيرا إلى الترضيات بحثا عن استقرار حكومي لم يتحقق أكثر مما ارتهنت كيان حكومي قوي يفرض سلطته المشروعة على مكوناته بعيدا عن الضغوط من أي جهة كانت.

يمكن اعتبار تكوين جبهة سياسية لخوض الاستحقاق الانتخابي البلدي ضربة موجعة لحكومة يوسف الشاهد ومن خلفها وثيقة قرطاج ومفهوم الوحدة الوطنية لأن الجبهة تستبطن معارضة للحكومة مهما ادعى البعض غير ذلك بل أبعد من ذلك يمكن القول إنها نواة لتكوين قوة سياسية تمهيدا للاستحقاق القادمة وفي مقدمتها الانتخابات التشريعية والرئاسية الأمر الذي قد يعيد رسم الخارطة السياسية.

يجب الإقرار بأن حكومة الشاهد كسابقاتها من الحكومات لم تتوصل إلى تركيز كيان حكومي متماسك فكريا وسياسيا، وهو أمر قد يتجاوز رئيس الحكومة نفسه، كيان يفرض سلطة قراره على مكونات الائتلاف بعيدا عن أي شكل من أشكال الترضيات أو الضغوط ويضع حدا لها خاصة من قبل النهضة والنداء.

صحيح أن الشاهد لم يشر إلى أي ضغوط أو ترضيات لكن انتفاضة الأحزاب الصغرى وهي أحزاب ليبرالية بالتعريف هي نوع من المعارضة لسياسة رئيس الحكومة في علاقته بالحزبين الكبيرين وهي أيضا نوع من المعارضة إلى حد الرفض لتهميشها من قبل النهضة والنداء وبالتالي رفض تركيبة الائتلاف.

من الإجحاف تجاهل جهود الشاهد، لكن من الإجحاف أيضا تجاهل أن تلك الجهود لم تتسلح بالجرأة اللازمة التي تروض مكونات الائتلاف على أبجديات العمل الحكومي وعلى هوية السلطة التنفيذية إحدى مؤسسات الدولة حتى أن حكومته بدت لغالبية اتجاهات الرأي العام والطبقة السياسية حكومة نهضوية ندائية أكثر مما هي حكومة وحدة وطنية تقف على نفس المسافة من كل مكوناتها.

وفي ظل غياب الجرأة التي لا تخشى أي طرف، يبدو أن انفتاح التركيبة أكثر ما يمكن على المشهد السياسي عقد صلاحيات رئيس الحكومة وعمق الخلافات إلى حد بدت فيه الحكومة تخطو نحو فقدانها لحزامها السياسي الذي راهنت عليه لتوفير الاستقرار، لا فقط من الأحزاب المستضعفة الليبرالية وإنما أيضا من قبل شق من النداء الذي بدا يضغط لإجراء تعديل وزاري قد يطال رئيس الحكومة نفسه.

أما على المستوى السياسي وعلى الرغم من البرنامج الذي نال ثقة البرلمان، فقد ألقت التركيبة بضلالها السلبية على الأداء حيث اكتفت بإدارة الشأن العام ولم تشرع بعد في صناعة سياسة قادرة على خوض الحرب التي أعلنها الشاهد على الفساد والتهريب وتوفير التنمية. ويبدو أن الاكتفاء بالإدارة نتيجة طبيعية لإتلاف تخفي مكوناته أجنداتها واستثمار تدني أداء الحكومة للتموقع من جديد خلال الاستحقاقات القادمة لا فقط الاستحقاق البلدي وإنما الاستحقاق التشريعي والرئاسي.

وقد لا نبالغ إذا ما ذهبنا إلى القول إن غالبية مكونات التركيبة الحكومية ما انفكت تبتز رئاسة الحكومة سواء من خلال الاستقواء أو الضغط أو الاستخفاف بمسؤولياتها على وقع إملاءات أحزابها التي بقدر استماتتها في التموقع داخل السلطة التنفيذية بقد استماتتها على التخفي من ورائها وعدم الظهور في الواجهة في محاولة مدروسة تجني منها النجاحات وتنأى بها عن الفشل.

وسواء كانت الأزمة أزمة حكم بنيوية أو أزمة حكومة أو أزمة أحزاب، لا نبالغ أيضا إذا ما رأينا أن الأزمة التي بدت تلوح في الأفق هي أزمة قديمة جديدة عاشتها الحكومات السابقة تتغذى من التحالف بين النهضة والنداء وهو تحالف أجهض على صناعة السياسة في تونس باتجاه بناء قوة سياسية مدنية تحظى بمشروعية شعبية وتتبنى خارطة طريق برامجية ومشروعا تنمويا وسياسيا واضحا تقوده طبقة سياسية متجانسة فكريا وسياسيا وثقافيا في إطار خيار الوحدة الوطنية.

ولعل هذا ما يفسر مسوغات تكوين جبهة سياسية لخوض الانتخابات البلدية من أحزاب ليبرالية مدنية غالبيتها معادية للنهضة مدفوعة بمؤاخذات على الحكومة وعلى الرغم من أن بعضها قال إنه يدعم الحكومة إلا أن الواقع يؤكد أنها جبهة أو بداية تكوين جبهة معارضة أولا للحكومة وثانيا للتحالف التي استضعفها.

وخلافا لما يراه البعض ممن لم يترددوا في وصف الأحزاب العشرة بالمارقين وخاصة الأحزاب الموقعة على وثيقة قرطاج، لا تؤشر الجبهة فقط على حدث سلبي وإنما تؤشر أيضا على توجه إيجابي لا يمكن إنكاره في ظل تعثر العملية السياسية وأيضا في ظل تدني أداء الحكومة وشعور جزء من الطبقة السياسية بالتهميش.

يتمثل العامل السلبي في أن الجبهة جردت أو تكاد الحكومة من حزم سياسي ليبرالي مدني لتترك رئيس الحكومة يتحرك في دائرة ضيقة تهيمن عليها النهضة والنداء، دائرة جردت الحكومة من هويتها كحكومة وحدة وطنية بعيدا عن وثيقة قرطاج خاصة بعد دعوة البعض إلى مراجعتها وبالتالي فإن الأحزاب العشرة استهدفت بوعي أو بدون وعي الجسم الحكومي نفسه وسياساته وأدخلت عليه الارتباك.

أما العامل الإيجابي فإنه يتمثل في مؤشر على نوع من صحوة الأحزاب المدنية العريقة واقتناعها بأن العملية السياسية الديمقراطية تستوجب مراجعات بعد سبع سنوات، من خلال إعادة رسم خارطة سياسية وطنية مدنية تمهيدا إلى بناء قوة سياسية يسحب البساط من تحت أقدام التحالف خلال الاستحقاقات القادمة.

صحيح أن الأوزان الانتخابية تبقى لصالح التحالف باعتبار الأغلبية البرلمانية وصحيح أن من الصعب أن تنسف الأحزاب العشرة الخارطة السياسية الحالية، ولكن الصحيح أيضا أن الجبهة مؤشر قوي على أن العملية السياسية الديمقراطية وعلى المدى المتوسط أو البعيد تستوجب الانخراط في مسار جديد بعيدا عن التحالف وقريبا من الطبقة السياسية التي تؤمن بالمفهوم الحقيقي للديمقراطية في إطار مفهوم وحدة وطنية حقيقية لا مغشوشة.

وبعيدا عن التحامل يوجد خيط مشترك بين الحكومة والأحزاب العشرة، يتمثل في الاستخفاف بالعملية السياسية ذاتها مهما كانت المبررات. وإذا كانت الحكومة لم تقنع بعد غالبية اتجاهات الرأي العام بأدائها شأنها في ذلك شان سابقاتها فإن الجبهة نفخت في عاصفة لا تخلو من استثمار الوضع الحالي للتموقع الحزبي خلال الاستحقاق البلدي وغيره من الاستحقاقات الأخرى.

أبعد من ذلك يؤشر الخيط المشترك على أن الطبقة السياسية سواء المتموقع منها في الحكم أو خارجه على أنها تقود تونس من أزمة إلى أزمة قد تكون اشد خاصة وأن التونسيين كثيرا ما راهنوا على حكومة الوحدة الوطنية كآخر فرصة لإنهاء أزمة الحكم وأيضا لإنهاء أزمات الأوضاع العامة المحفوفة بالمخاطر.

يبدو أن رئيس الحكومة يواجه أزمة حكم أكثر مما هو يواجه أزمة حكومية باعتبارها ازمة عضوية استفحلت خلال السنوات السبع الماضية، يجب اجتثاثها، ففي عالم السياسة لا توجد منزلة بين المنزلين، إما أن تحكم أولا تحكم.

هكذا تبدو العملية السياسية الديمقراطية تخطو نحو أفق غامض لا أحد بقادر على رؤيته أو حتى التنبؤ بمآلاته، الأمر الوحيد الذي نرى أنه واضح كل الوضوح أن تونس التي أطلقت أول دستور في التاريخ خلال العهد القرطاجني وأول دستور في العالم العربي العام 1861 وأسست دولة بالمعنى السياسي الحديث تتبنى دستورا مدنيا في أعقاب استقلالها تبقى عصية على عواصف السياسة الآفلة.