سيد قطب.. من الوسطية إلى التطرف

وبعده جاءت موجات الجهاديين

إذ إن مترادفات ومصطلحات مثلت جدلاً كبيراً -وما زالت- مثل الجاهلية والدعوة إلى الحاكمية والمفاصلة بين أهل الحق والباطل، التي حملتها كتب سيد قطب ومقالاته وشروحاته، وجدت مكانها وضالتها بين أروقة "الجهاديين" ودروبهم الوعرة، مما مثّل إشكالية أخرى تضاف إلى أخرياتها، خاصة أنها كانت دليلاً دامغاً لدى البعض على الربط بين قطب وتلك التيارات، التي عززت من راديكالية آلياتها في مواجهة خصومها، وجعلته في بؤر الإدانة الدائمة والاتهام المتواصل، وهو ما سعى العمل إلى محاولة تشخيصها ووضعها تحت العين المجهرية البحثية، للوصول في نهاية العمل إلى خلاصات استنتاجية في محاولة لسبر أغوار هذا الإشكال الذي قد يطال تأثيره ومداه موجات أخرى من الجهاديين، ربما تأتي لاحقاً، تفوق في راديكاليتها ما هي عليه الآن.

تحولات قطب

يظل سيد قطب حالة خاصة في فضاءات الفكر الإسلامي المعاصر في القرن العشرين، وما زالت تبعاته الفكرية تمتد تأثيراتها مع إطلالة الألفية الثانية، وذلك نظراً لتنوع تأثيراته على المحيطين الاجتماعي الديني والسياسي العربي والإسلامي، بأفكاره التي خضعت في مجملها إلى جملة من التفسيرات والتأويلات المتباينة، جنح معظمها نحو الإفراط في مركزيتها على نحو أغرق في الغلو والتشدد مما وضع سيد قطب دوما في دائرة الاتهام بكونه ركزاً أصيلاً في زيادة بؤر الراديكالية الأصولية داخل الحالة الإسلامية السنية، وطالت المذهبية الشيعية أيضاً.

في سياق الحديث عن تجربته، وصل سيد قطب إلى طمأنينة الإيمان، حين شرع في كتابة "العدالة الاجتماعية في الإسلام" الذي دعا فيه إلى "استئناف حياة إسلامية، في مجتمع إسلامي، تحكمه العقيدة الإسلامية والتصور الإسلامي، كما تحكمه الشريعة الإسلامية، حياة إسلامية قد توقفت منذ فترة طويلة في جميع أنحاء الأرض، ووجود الإسلام ذاته من ثم قد توقف كذلك"، مما يعني أن هذا الكم الكبير من التحولات التي انتابت سيد قطب كانت جديرة بأن يكون لها عميق الأثر على أجيال أتت من بعده، كان لها -بطبيعة الحال- انعكاساتها من متلقفيها بين السلب والإيجاب.

ولد سيد قطب عام 1906 في إحدى قُرى محافظة أسيوط جنوب مصر، وانتقل إلى القاهرة في 1919 لمواصلة دراسته، في وقت كانت مصر تعايش فيه حالات من التموج السياسي والفكري، وتعج بالكثير من الأنشطة السياسية والثقافية، وتعايش حالة من التحولات الجذرية داخل البنى المجتمعية والفكرية والسياسية أيضاً، التحق سيد قطب بالعمل بوزارة المعارِف بين عامي 1933-1952، وذاع صيته شاعراً وكاتباً من الطراز الفريد منفتحاً على الدوائر الثقافية كافة من حوله، بتنويعاتها وتبايناتها خاصة بؤر الضوء الأدبية العلمانية المتوهِّجة آنذاك، وكان عام 1939 بداية لشروعه في الكتابة عن القرآن الكريم من منظورٍ أدبي وبحلول عام 1948 كانت دعوته التي أثارت جدلاً كبيراً في الأوساط الدينية المجتمعية نحو مجتمعٍ إسلامي من خلال أشهر كتبه "العدالة الاجتماعية في الإسلام" رافقت سفره إلى الولايات المتحدة الأمريكية، تلك الرحلة التي سيكون لها عميق الأثر في تحولاته الفكرية أيضاً بعد أن أمضى داخلها عامين متتاليين، بلور خلالهما رؤيته للمجتمع الغربي الأمريكي الذي يعاني اضمحلالاً أخلاقياً كبيراً، وهو ما يفسر لنا بالرغم من هذا الكم من التحولات، وبالرغم من مرور ما يقرب من نصف قرن على وفاة سيد قطب، أن ذكره ما زال يتردد، بالتزامن مع فعاليات الحركات الأصولية الإسلامية المعاصرة، لا سيما الراديكالية منها.

وامتدت تأثيراتها أكثر، وتحول سيد قطب إلى كاريزما ورمزية أصولية بجوار أفكاره "الثورية" إن جاز الوصف، تصطف مع بعضهما البعض جنباً إلى جنب، بعد أن خاض تجربة اعتقال متقطعة وطويلة في أخرياتها، ابتدأت عام 1954 ثم أُطلِق سراحه لفترةٍ قصيرةٍ عام 1964، وأعيد اعتقاله في 1965، وانتهت بإعدامه بتهمه التآمر لقلب نظام الحكم عام 1966 لتكرس صورة ذهنية في أتباعه ومريديه ومجاذيبه من بعده، دفعت بهم إلى أن يعتبروه شهيداً دفع ضريبة أفكاره التي أسس لها، وسارت أجيال من بعده عليها، خاصة من التيارات "الجهادية" الراديكالية التي رأت أنه قدم روحه في سبيلها، ليأتي جيل من بعده ينيرها ويجعلها واقعا على الأرض، خاصة وأن فترة حبسه أيضا شهدت ولادة كتاب عد وثيقة ارشادية جهادية من الطراز الأول وهو "معالم في الطريق" نظراً لما تميز به من تكاثف أيديولوجيته الإسلامية الثورية، واستُخدِم دليلاً ضده خلال محاكمته".

الإصلاح الشامل عبر الدين

تعج محطات سيد قطب الإسلامية بالكثير من التراتبية والتموجات التي تصل واحدة بالأخرى، إذ كانت أفكاره في بدايتها وأطوارها الأولى إسلامية حقيقية تتسم بالوسطية، يرى الإصلاح يتأتى من المنظور الشامل للدين، ولا شك أن نشأته المتدينة كان لها عميق الأثر على تكوينه الثقافي والمعرفي، ثم أعقبتها تحولات صاعدة جعلته ينتقل بها إلى مساحات أكثر تشدداً في طرحها وتموضعها الفكري، وتصوراتها في التغيير وآلياته الأقرب إلى الثورية.

طرح قطب فكرة الإصلاح ابتداءً من خلال مجلة "الفكر الجديد" مع بداية صدورها عام 1947 -والتي تم توقفها بعد (13) عدداً- عبر العودة إلى "الإسلام الصحيح النقي"، في وقت كانت الشيوعية تنتشر خلاله بشكل كبير، مما تسبب في إصدار مذكرة اعتقال بحقه، ولكن رئيس الوزراء لم يشأ أن يعتقله، فأصدر أمراً بإرساله ضمن بعثة إلى أمريكا لدراسة نظام التعليم هناك، ويذكر محمد قطب أن بدايات سيد قطب الإسلامية بدأت على المستوى الفكري من "الناحية البلاغية" -لكونه بالأساس أديباً وناقداً فنياً- وكانت هناك قضية في هذه الوقت تتحدث عن "هل إذا تغير اللفظ تغير المعنى، أم إن تغير اللفظ لا يؤثر في معناه؟" ولاحظ سيد قطب أن القرآن الكريم حين يتغير اللفظ يأتي بمعان جديدة ويعطي صوراً جديدة للمعاني، فمشاهد القيامة في القرآن الكريم كل مرة تأتي في صور ومعان جديدة، فاللفظ حين يتغير يأتي بصور ومعان جديدة، وهو ما يفسر كتابته لـ"مشاهد القيامة في القرآن"، إذ كان سيد قطب يكتشف نفسه تباعاً داخل الرؤية الإسلامية الجامعة حينما يتعمق داخلها شيئا فشيئا، وبشكل تراتبي يقدم في كل مرحلة إضافة تعكس ما وصل إليه من فهم ورؤية لتوجهاته الفكرية في كل منها.

طبيعة الفكر

يمكن الوقوف على أدبيات قطب لفهم طبيعة الإفراز الفكري الذي سيكون له عظيم الأثر بعد ذلك في طبيعة المتلقي، من خلال بعض كتبه المهمة أولها "معالم في الطريق" وترجع أهمية هذا الكتاب إلى أنه كان كاشفاً كبيراً لحجم التحول الذي لحق سيد قطب، إذ قام بتقسيم المجتمعات إلى نوعين: مجتمع إسلامي وآخر جاهلي، وتشخيص سيد قطب للمجتمع الإسلامي تمحور حول أنه مجتمع يتم فيه تطبيق الإسلام عقيدة وعبادة، وشريعة ونظاماً، وخلقاً، وبالتالي المجتمع الإسلامي ليس ذلك الذي يضم أناساً يسمون أنفسهم "مسلمين" بينما شريعة الإسلام ليست هي قانون البلد، "وإن صلى وصام وحج البيت الحرام.. فليس هذا هو المجتمع الإسلامي الذي يبتدع لنفسه إسلاماً من عنده، وما يطلق عليه بـ(الإسلام المتطور). وعلى الضفة الأخرى يقف المجتمع الجاهلي ويعرفه سيد قطب بأنه لا يطبق فيه الإسلام ولا تحكمه عقيدته ولا تصوراته وقيمه وموازينه، ونظامه وشرائعه، وفي الوقت ذاته لا يشترط بالضرورة أن يكون أهله منكرين لوجود الله، فالمجتمع الجاهلي هو الذي يبيح للناس أن يتعبدوا في المساجد، ولكن يحرم عليهم أن يطالبوا بتحكيم الشريعة في حياتهم.