بوتين.. وبلاشفة إيران الملالي

مثلما خطف بلاشفة الروس الثورة الشعبية خطف الملالي الثورة الإيرانية

لم يستفض المسؤلون الروس والمواقع الإعلامية الروسية الرسمية في الحديث عن الحدث الإيراني، واقتصر الأمر على مقاربة الحَراك الإيراني كحدث "يصعب فهم طبيعته" تراوحت تسميته بين فوضى وقلاقل واضطرابات تقف وراءها يد الغرب، الذي يريد "فرض ديموقراطيته على الشعوب"، وذكَر فتوة الكرملين الشيشاني رمضان قاديروف الغرب بديموقراطيته، التي "أراد زرعها في كلٍ من ليبيا والعراق وسوريا واليمن" . وتمحور السلوك الروسي في مجلس الأمن والمحافل الدولية الأخرى حول "يد الغرب " هذه، حيث بدت روسيا مستميتة في الدفاع عن نظام الملالي، الذي تبنت مقولة مرشده الأعلى خامنئي حول وقوف الغرب و"أعداء الشعب الإيراني" وراء احتجاجات الشارع الإيراني ضد هذا النظام.

هذه الصورة، التي حاولت روسيا الإفادة منها إلى أقصى الحدود في مجابهتها مع الولايات المتحدة والغرب عموماً، لم تكن هي عينها في الداخل. فلم يكن "الصمت الرسمي" ينطوي على تأييد مطلق لنظام الملالي، بل كان ينطوي على الخشية من انعكاسات الحدث الإيراني على الداخل الروسي، وخصوصاً المسلم منه، وجرى تبني طرح الرئيس الإيراني حسن روحاني من أن ثمة، بالفعل، ما يشكو منه الإيرانيون ويجب معالجته، وذهب مستشرق روسي إلى القول، بأن الشعب الإيراني قد تعب من سيطرة النظام الديني، ويستحق ما هو أفضل . وقال، بانه يعتقد بأن الشعب الإيراني أخذ ينفذ صبره، وأخذت تضعف قدرة رجال الدين على حكم إيران، وسوف تظهر التطورات اللاحقة قدرة النظام الإيراني على إصلاح نفسه في ظروف الأزمة الراهنة . وأشار إلى أن تأثير الحدث الإيراني على الوضع الداخلي في روسيا ضعيف، بسبب ضآلة الوجود الشيعي في روسيا، لكن الأمور مرتبطة بتطور الإحتجاجات الإيرانية ومدى اتساعها، عندها "كل المفاجآت ممكنة".

في موقع إخباري أوكراني، يقارن ألكسنر سماليانسكي بين إيران ورافع الأثقال، الذي يصاب بتمزق العضلات جراء رفع أثقال تفوق قدرته، ويقول بأن احتجاجات الشارع الإيراني المفاجئة، هي تمزق عضلات النظام الإيراني بسبب مبالغته في طوحاته التوسعية في المنطقة، ويقول، بأن هذه الإحتجاجات تذكر ببداية نهاية الإمبراطورية الروسية في العام 1917، حيث اندلعت الثورة بسبب التعب من الحرب الطويلة، وعشية الإنتصار على ألمانيا، تماماً، كما اندلعت الإحتجاجات الإيرانية عشية انتصار نظام الملالي في سوريا، وعلى الرغم من إعلان بوتين نفسه منتصراً في سوريا، إلا أن المنتصر الحقيقي هناك هم آيات الله، الذين نجحوا في جعل بوتين يسحب لهم الكستناء من النار السورية، بواسطة طائراته المقاتلة، ووضع الروس في سوريا يشبه تماماً وضع الأميركيين في العراق، حيث سحب الإيرانيون السيطرة على العراق من "تحت أنوفهم".

على العكس من الرأي الشائع، بأن بوتين سوف يحاول الحؤول دون سقوط نظام الملالي، يقول الرجل، بأن الوضع الأفضل، بالنسبة لبوتين، هو دفع إيران إلى حالة فوضى دائمة، قابلة للتحكم بها، ووضع الدست الإيراني فوق نار خفيفة جداً، تسمح للإيرانيين بالإحتفاظ بجزء من قواتهم في سوريا، إنما لا يمكنهم من الإستمرار في الضغط على الأسد لصالحهم . ليس بوسع بوتين، لا مالياً ولا سياسياً، الحلول محل "الخراف الإيرانية" المستعدة للذبح، إذ أن المجتمع الروسي، على قول الرجل، ليس أقل رفضاً للمغامرة السورية من المجتمع الإيراني، وأشد ما يخشاه بوتين، بالفعل، هو تكرار السيناريو الإيراني في روسيا، إذ أنه دفع غالياً ثمن قمع احتجاجات العامين 2011 – 2012.

في خضم التعليقات الكثيرة للمعارضين الروس على الحدث الإيراني، كان يمكن تجاهل هذا المعلق المعارض على صفحات موقع أوكراني، لو لم يتزامن هذا الكلام مع مقالة في صحيفة الكرملين "vzgliad" شنت فيها هجوماً صاعقاً على الملالي في إيران . وصحيفة الكرملين لا تنطق عن هوى، وهي، كما وكالة نوفوستي، لا تذيل مقالات كتابها بالتذكير، بأن "آراء الكاتب فد لا تتطابق مع رأي الصحيفة ".

نقلت الصحيفة، عن مدون فيسبوكي قوله، ساخراً: "آيات الله سوف ينتصرون دون دعم وزارة خارجيتنا". يقول الرجل بأنه حين يقرأ مختلف الآراء لمواطني دولة "الشيطان الأصغر" حول إيران الصديقة، وآيات الله الرائعين، وعرى الروابط الروحية، التي تشد الشعب الإيراني العظيم إلى سلطاته، وسياستهم الخارجية الحرة والنزيهة وجهود الجواسيس الأميركيين ( المحكومين بالهزيمة، على قوله، ساخراً) في تنظيم ساحة ميدان(إشارة إلى الثورة الأوكرانية)، حين يقرأ كل ذلك، لا يستطيع إلا أن يتذكر قصة نشر مراسلات آية الله الخميني مع عدد من الرؤساء الأميركيين ووكالة المخابرات الأميركية في العام 2016.

يقول الرجل، بأن الكثير، مما هو مضحك، قد تكشف يومها. فما أن بدأت المشاكل عند الشاه، حتى بادر الخميني، الذي كان في منفاه في الضاحية الباريسية، إلى الكتابة إلى الرئيس الأميركي جيمي كارتر يقنعه بموقفه الموالي للأميركيين. وكان، قبل ذلك، قد كتب إلى الرئيس كينيدي، وهو كان لا يزال مقيماً في إيران.

كان لدى الخميني ثلاثة مطالب من الأميركيين: العودة إلى إيران، الضغط على حكومة بختيار وإجبارها على الإستقالة، الضغط على الجيش وإجبار الجنرالات على التزام الحياد حيال الإسلاميين. مقابل ذلك التزم الخميني، على قول الرجل، بعزل الجماعات الماركسية، وانتقال إيران الهادئ إلى ما بعد الملكية والإعتدال وضبط النفس، وكان للأميركيين حساباتهم، بالطبع، حيث كانوا يعتبرون أن الخميني ضعيف، وسوف يذوب وسط رجال الدين والملالي في مدينة قم، بعد أن يقوم بدور "الشخصية المتوازنة" بين العسكريين الطموحين والديموقراطيين الثوريين المفترضين.

يقول الرجل، إن ما جرى بعد ذلك كان عكس جميع الوعود، التي قطعها الخميني على نفسه إلا أن الخميني كان صادقاً جداً حيال الإتحاد السوفياتي، ولقبه ب"الشيطان الأصغر"، الذي يعمل مع "الشيطان الأكبر". ويقول الرجل، بأنه لا يفهم ما الذي يعجب "مواطنينا المحترمين في النظام الإيراني ؟ نحن ونساؤنا وأطفالنا وتقاليدنا وثقافتنا، وكل ما نملك، كنا وما زلنا، وسنبقى عدواً، بالنسبة لنظام آيات الله" .

المؤرخ الروسي أندريه زوبوف، وفي تعليق له على الحدث الإيراني، توقف عند شعار "الموت لروسيا"، الذي رفعه المحتجون الإيرانيون، ورأى، أن من الطبيعي أن يرفع الإيرانيون هذا الشعار في وجه حليف النظام الديني الكريه، بالنسبة لهم، ويرى، أن ما أصاب ثورة الشعب الإيراني العام 1979، يشبه كثيراً ما أصاب ثورة الشعب الروسي في شباط/فبراير العام 1917. فقد بقي الشعب الإيراني طيلة عام ونيف يخرج في احتجاجاته إلى الشارع ضد نظام الشاه وإرهابه، لكن الملالي، بزعامة الخميني، انقضوا على الثورة، وأقاموا نظاماً دينياً، تخطى بإرهابه وعسفه نظام الشاه، وهذا بالذات ما حصل للشعب الروسي حين تفجر بوجه القيصر السفاح، دون أن يكون لثورته أية قيادة أو زعامة. وجاء البلاشفة، بزعامة لينين، في عربة قطار ألماني، وانقضوا على الثورة الروسية، وأقاموا نظاماً، لم تعرف البشرية مثيلاً له في الإرهاب والقتل والتعذيب، وليس بوتين سوى سليل هذا النظام، ولذا وجد في "بلاشفة" طهران حلفاء له .

بسام مقداد

كاتب سوري