عن هروب خليفة خامنئي من ألمانيا

من الخطأ الكبير اعتبار الثورة الايرانية، نتاج ومحصلة للتيار الديني المتشدد الذي ساهم في تلك الثورة علما بأننا لا نلمح الى إلغاء دورها كما فعل ويفعل هذا التيار ضد معظم التيارات والقوى السياسية التي شاركت في الثورة التي أطاعت بعرش الطاووس في إيران، لكننا نرى من المهم جدا الإشارة الى إن فرض الرداء الديني على الثورة الايرانية لم يكن يلائمها خصوصا وإن ذلك قد جابه ولا يزال يجابه رفضا شعبيا متعاظما، خصوصا وإن إيران قد كانت على مر العصور منبعا ومصدرا للفنون والآداب ومختلف أنواع الثقافات، وإن سعي التيار الديني لجعل إيران منبعا ومصدرا للفكر الديني المتشدد المتطرف الى جانب الارهاب، هو واحد من أهم أسرار رفض هذا النظام من جانب شعب ذي حضارة عريقة كالشعب الايراني.

يسعى النظام جاهدا للإيحاء بألانتفاضة الاخيرة للشعب الايراني من إنها قد إنتهت وصارت شيئا من الماضي، هو نوع من الوهم وأحلام اليقظة التي يعيشها هذا النظام، ذلك إن هذه الانتفاضة تختلف تماما عن إنتفاضة عام 2009، كثيرا ومخطئ من يجعلهما متشابهين، فظروف وأوضاع إندلاعهما متباينة كثيرا، إذ أن الاولى كانت عفوية وتلقائية الى حد ما، أما الثانية فإنها لم تكن كذلك أبدا، فقد كانت هناك إستعدادات مسبقة لها بإعتراف المرشد الاعلى للنظام نفسه، خصوصا وإن التحركات الاحتجاجية للشعب الايراني في عام 2017، والتي سبقت الانتفاضة وبإعتراف وزير الداخلية الايرانية نفسه قد صارت 154 حركة إحتجاجية في اليوم، أي كانت هناك 56 ألف خلال العام الماضي، في حين إن هذه التحركات وبإعتراف وزير الداخلية ذاته للعام 2016، قرابة 7000 حركة إحتجاجية، وهذا الفرق الكبير بين العامين لا يمكن تفسيره إلا بأن هناك أكثر من شيء تحت الشمس الايرانية الحمراء، وهو ما سعى النظام للتغطية والتمويه عليه طويلا حتى خرج المرشد الاعلى للنظام من صمته الذي إستمر لثلاثة عشر يوما ويعلن للحالم كله بأن الانتفاضة كانت مؤامرة من إعداد منظمة مجاهدي خلق المعارضة!

الانتفاضة الاخيرة تركت آثارا وتداعيات على الاوضاع في إيران بعيث لا يمكن أبدا تجاهلها والتغاضي عنها، بل وإنها بإستمرارها لفترة اسبوعين تقريبا وإطلاق شعارات معادية للنظام الديني القائم وتطالب بسقوطه، أعطت إنطباعا ليس للنظام الايراني فقط وانما للعالم أجمع بأن الشعب الايراني يطالب بالتغيير وليس فقط إصلاحات أو إجراءات معينة، بحيث يمكننا القول بأن هذه الانتفاضة قد صارت بمثابة فيصل بين عهدين وليس بالامكان أبدا تجاهل ذلك، رغم إننا يجب أن نشير هنا الى ثمة حقيقة هامة جدا من إن النظام ليس بإمكانه أبدا أن يقدم أية معالجات أو حلول مناسبة للأوضاع الوخيمة التي يعاني منها ولاسيما وإنه يواجه أزمة إقتصادية ومالية خانقة تتزامن مع تضييق خناق العقوبات الاقتصادية عليه والتي ليس بوسعه أبدا إخفاء تأثيراتها السلبية الكبيرة عليه.

نظام الجمهورية الاسلامية الايرانية الذي كان الى الامس القريب يفرض إملائاته ومطالبه على دول العالم بشأن معارضيه وتعديدا ضد منظمة مجاهدي خلق، فإنه اليوم صار يواجه ويعيش حالة معاكسة وعلى الضد من ذلك تماما، إذ إن هروب خليفة المرشد الاعلى من مشفاه في مدينة هانوفر الالمانية من جراء الملاحقات القضائية له من جانب المعارضة الايرانية وبالاخص من جانب منظمة مجاهدي خلق والتي طرحت قضية مشاركته في جرائم ومجازر ضد الشعب الايراني، تعني بأن الصورة قد تغيرت تماما، فبعد هذه الانتفاضة صارت المعارضة الايرانية هي من تطارد النظام وأقطابه وليس العكس وفي ذلك أكثر من عبرة ومعنى لإيران الغد، إيران من دون هذا النظام!