لعنة الديمقراطية تلاحق رغيف التونسيين

في بداية يناير العام 2011 انتفضت الفئات المحرومة والمهمشة في تونس على غياب التنمية والتهميش والبطالة. وبعد سبع سنوات انتفضت نفس الفئات مسنودة بما لحقها من مهمشين جدد ولكن هذه المرة في إطار أزمة هيكلية خانقة.

لم تنتفض تلك الفئات على الدولة ولا حتى على نظام بن علي كما روج إلى ذلك السياسيون المهمشون وإنما انتفضوا باختصار على لقمة العيش الكريم ولم يرفعوا أي شعار يوحي برحيل النظام وإسقاطه ولم تقد الاحتجاجات أي جهة سياسية.

أخذت الاحتجاجات نسقا تصاعديا فيما كان نظام بن علي يتحسس السبل الكفيلة باحتواء احتقان اجتماعي عارم لتبلغ ذروتها يوم 14 من نفس الشهر ومن نفس السنة وتتسلل إلى شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة حيث تجمع المئات أمام وزارة الداخلية.

خرجت من مكتبي يومها القريب من المظاهرة ووقفت رفقة صديقين نراقب ما يحدث، اشتغلت الهواتف الجوالة ومواقع التواصل الاجتماعي لتجر الآلاف إلى المظاهرة ومع الساعة العاشرة صباحا بدا المئات ينسلون من منازلهم ومن مكاتبهم ليلتحقوا بها.

وفي حدود الساعة الحادية عشرة تقدمت مظاهرة تقودها قيادات معروفة في اتحاد الشغل، المركزية النقابية، وهي تهتف "محاكمة شعبية لعصابة الطرابلسية" في إشارة إلى اصهار بن علي على خلفية اتهامهم بسطوة الفساد وتنفذهم.

بدأت المظاهرة تأخذ منحى سياسيا تدريجيا مع تزامن تهاطل مجموعات من الرجال والنساء الأجانب في شكل خلايا تتكون ما بين 5 و12 أفراد مشابهة لخلايا الجهاديين رافعين يافطات بعد أن كتبوا عليها باللغة الفرنسية "الرحيل".

استغربت الحدث بكل رهاب لا أخفيه متسائلا ما علاقة الأجانب بالاحتجاجات وما زلت إلى حد الآن كاتما استغرابي الذي لم أجد له تفسيرا مقنعا.

وخلال ساعة نصف تحولت الاحتجاجات الاجتماعية إلى مظاهرة سياسية بامتياز تطالب بن علي بالرحيل وفي الأثناء تواترت أنباء قادمة من قصر الرئاسة بقرطاج مفادها أن طائرة عمودية قادمة من الأجواء لقصف القصر وبارجة بحرية تقترب منه لقصفه أيضا.

قدر المهمشون سياسيا المظاهرة بـ 10 آلاف متظاهر والحال أنها لا تتجاوز 5 آلاف على الرغم من أنهم يعرفون جيدا أن الشارع لا يتسع لتقديراتهم، ومهما يكن من أمر من المستحيل أن يرحل بن علي الذي حكم البلاد طيلة 23 عاما تحت ضغط المظاهرة.

والى اليوم ما زلت أتساءل عن لغز سقوط النظام مثل غالبية التونسيين إذ لم تتوفر إلى حد الآن بالنسبة إلي على الأقل الحيثيات الدقيقة التي أجبرت الرجل على الرحيل.

ويبدو أن ملف إسقاط نظام بن علي كان جاهزا لدى جهات خارجية والتقطت الانتفاضة لتجهض عليه بكل قسوة خاصة وأن العديد من تلك الجهات تسلل إليها "فرح" مستراب لم يفرحه جزء من اتجاهات الراي العام التونسي نفسه.

سقط النظام بشكل دراماتيكي غريب تحت عنوان الثورة والحال أنه ما كان لبن علي أن يغادر البلاد لولا اقتناعه بأن نظامه تخلى عنه ليجد نفسه وحيدا.

عمت حالة من الفوضى طيلة أشهر وتفرغ الآلاف إلى "المسار الثوري" تاركين شغلهم تقودهم مجموعة من السياسيين الفرحين بما أتاهم الربيع الباهت من ديمقراطية.

لم يكن نظام بن علي ديمقراطيا، هذه حقيقة، لكنه كان نظاما قويا حازما حقق للتونسيين العديد من المكاسب بما فيها مساحة مدروسة من الحرية.

حول السياسيون الانتفاضة من احتجاجات على الرغيف إلى ما يقولون "ثورة الحرية والكرامة" رغم أن الانتفاضة لم تقدها أي جهة سياسية ولم تتبنَ أي مشروع، وهو ما يعني بالضرورة أنها ليست ثورة لكن السياسيين سطوا عليها سطوا شرها للحكم.

تركزت على أنقاض نظام بن علي حكومة الترويكا البائسة بقيادة حركة النهضة الإسلامية لتنشر الخوف من تركيز دولة إسلامية على جثة الدولة المدنية العريقة. لكن تونس كانت عصية عليها فتنحت على الحكم بعد أن زجت بالبلاد في ازمة حادة.

في صيف 2012 تنفس التونسيون الصعداء قليلا بعد تأسيس حزب نداء تونس على يدي الباجي قائد السبسي أحد رجالات بورقيبة الشرسين ولكن الديمقراطيين. وفاز الحزب بالأغلبية البرلمانية وبرئاسة الجمهورية في انتخابات خريف 2014 بعد أن أجهض التونسيون مشروع الإسلاميين.

وتأسس في الأثناء أكثر من 10 أحزاب جمعت ما هب ودب من العامة الدهماء تحت عنوان "الديمقراطية الشعبية" و"الثورة"، وما هي بثورة ولكن العامة لا يعلمون.

تحول شعار الديمقراطية إلى خبز يومي تجتره جميع الأحزاب مبشرة بأنها فتحت تونس فتحا مبينا مشابها لفتح إفريقيا من قبل المسلمين القادمين من شبه الجزيرة العربية وكادت بعض الأحزاب التي تنشط فعيا تقنع الراي العام بتجاويف خطابها السياسي.

وفي ظل نوع من الرهاب نتيجة الفوضى كانت ألسنة غالبية التونسيين على نظام بن علي وقلوبهم معه كما كانت ألسنتهم مع حكام تونس الجدد وقلوبهم تكتم توجسا منهم.

فاضل التونسيون التضحية بقوتهم اليومي على أمل الديمقراطية التي لا ننكر انهم كانوا يحلمون بها في مجتمع منفتح ومتعدد فكريا وسياسيا روضته دولة مدنية على منظومة من قيم الوحدة الوطنية والتضامن ونبذ الكراهية والعنف وعلى الوسطية والسلم الأهلي.

بعد سبع سنوات اقتنعت أكثرية التونسيين بأن الديمقراطية حولها السياسيون إلى لعنة تلاحق حتى رغيفهم اليومي بعد أن تعمق الفقر والحرمان والبؤس والحيف.

كما اقتنعوا بان الذين كانوا مهمشين سياسيا خلال فترة حكم بن علي سطوا على انتفاضتهم مدفوعين بشراهة لا تشبع إلى الاستفراد بالحكم وطبعا تحت يافطة الديمقراطية وباقي الشعارات الثورجية من حرية ومواطنة.

قادت لعنة الديمقراطية إلى مشهد سياسي تغلب عليه الحروب على مواقع القرار السياسي والإداري وإلى إضعاف مؤسسات الدولة المهابة، وأيضا إلى تقسيم النسيج المجتمعي التونسي المتضامن إلى اتجاهات رأي علمانية وما هي بالعلمانية وإسلاموية وما هي بإسلامية، وآخرين يراهنون على التموقع في منزلة بين المنزلتين.

وقادت إلى تراجع النمو الاقتصادي من 5 بالمئة إلى 0.8 بالمئة العام 2016 لترتفع قليلا إلى 2.1 بالمئة في بداية العام 2018 بعد أن انفض المستثمرون والسياح الأجانب من قسوة الديمقراطية.

وتعمق الفقر ليعصف بنحو 60 بالمئة من أهالي بلدات الجهات الداخلية التي قادت انتفاضة يناير ومن الأحياء الشعبية، تلك الأحزمة الحمراء على مشارف المدن الكبرى.

وتدهورت المقدرة الشرائية بنسبة لا تقل عن 50 بالمئة حتى أن الفئات الهشة باتت عاجزة عن توفير العيش الكريم.

وارتفعت البطالة لتتسلل إلى حاملي الشهادات الجامعية لتشمل نحو 1 مليون عاطل.

وكادت الظاهرة الجهادية أن تنسف كيان الدولة المدنية من خلال هجمات دموية العام 2015 والعام 2016 في مسعى لتركيز إمارة إسلامية.

وقادت الديمقراطية البائسة بالسياسيين الجدد إلى إضعاف الدولة ومساومة مؤسساتها وحتى ابتزازها ابتزازا مقيتا بعد أن حولتها إلى غطاء مثقوب يحجب فشلها.

وباختزال لم تقد يافطة الديمقراطية سوى إلى تهديد رغيف التونسيين عدا عملية سياسية متعثرة وهشة محفوفة بالمخاطر لا تحظى سوى بنسبة ثقة متدنية.

وفي ظل ندرة الثروات من جهة، وسقف مرتفع من المطالب من جه أخرى، باتت تونس بين فكي أزمة من الإجحاف تحميل جهة بعينها مسؤوليتها لتمثل مأزقا شائكا.

وبعد ان كان المحرومون يطالبون بتوفير التنمية وبالشغل أصبحوا يطالبون بحق المواطنة من حقوق اقتصادية واجتماعية وسياسية وتعمق الإحساس بالحيف ليدفع بهم إلى الشعور بأنهم مواطنون من درجة ثانية في تونس الجديدة المتجددة.

اكتفت الحكومات المتعاقبة بتسكين آهات المحرومين بالمساعدات الإنسانية لتتكرم عليهم وتجود بالفتات بدل أن تجري اصلاحات هيكلية تضمن التنمية والشغل.

وفي مجتمع عربي مسلم يتمسك بقمة الكرامة لا يرى المحرومون في المساعدات سوى إهانة لكرامتهم التي لا تسمح لهم بالتسول إذ هم لا يتلذذون الرغيف إلا إذا تأتى من عرق جبينهم.

اليوم وتونس تطوي سبع سنوات من الثورة الزائفة تقف تونس على مشارف مأزق سياسي واقتصادي واجتماعي خطير لا تقدر لعنة الديمقراطية على الخروج منه.

نفذ صبر التونسيين أو يكاد وتعب السياسيون المتمرنون على الحكم وفشلت الأحزاب في بناء قوة سياسية تحظى بالشرعية الشعبية.

ويكاد يسود إجماع بان البلاد تسير بالاتجاه الخطأ في ظل عزوف الناس عن النشاط العام والاشمئزاز من عنوان الديمقراطية ليلهثوا وراء لقمة العيش.

وعلى الرغم من ذلك لا يستنكف السياسيون من اجترار نفس الخطاب بل ونفس المفردات وفي مقدمتها طبعا الحرية والكرامة والديمقراطية.

وإذا سألت غالبية التونسيين عن مآل انتفاضتهم أطلقوا زفرات حارة "ما نفعل بديمقراطية تشترى وتباع في سوق الانتهازية والتضليل والحروب الحزبية على الحكم."

ويجاهر التونسيون بلهجتهم العامة قائلين "الديمقراطية ما توكلش الخبز"، أي أن الديمقراطية لا توفر مستلزمات العيش إذ هي لا تمثل عائدات أرباح ولا أجور.

وفيما تواجه الحكومة مأزقا ضلعه الأول أزمة هيكلية وضلعها الثاني سقف عال من المطالب يشدد عدد من رجال بن علي بأنهم "لا يعترفون بديمقراطية مغشوشة".

يكمن عمق ازمة تونس في مفارقة موضوعية على ارض الواقع لا في قصر قرطاج ولا في قصر الحكومة ولا في مكاتب مقار الأحزاب. وفي الوقت الذي تشهد فيه البلاد ندرة الثروات تواجه الحكومة سقفا عاليا من المطالب. فالتونسيون شرهين للحياة بشكل جامح يفوق بكثير إمكانياتهم المادية.

وهم تعشش في أذهانهم مقولة الحبيب بورقيبة الشهيرة "فرحة الحياة"، من يوفر دخلا بـ 500 دولار يريد أن يعيش على حد تعبير التونسيين بـ 1000 دولار وهكذا.

هناك ثقافة استهلاك تظاهرية لافتة في المجتمع التونسي تستبطن ميلا إلى المادي ولا تقتنع بندرة ثروات البلاد. وزجت هذه الثقافة بالعديد من الفئات المتوسطة إلى محاولة تسلق الهرم الاجتماعي لتختنق ماديا وأيضا لتختنق اجتماعيا.

ويبدو أن مشكلة السياسية تكمن في أحزاب هي أقرب منها للطوائف المنطوية على قواعدها الانتخابية أكثر مما هي أحزاب منفتحة على مشاغل التونسيين.

وأيضا تكمن مشكلتها في طبقة سياسية نخرها الوهن والانتهازية وغياب الوعي العميق بطبيعة الأزمة وفي مزايداتها العلنية الخفية لتحول العملي السياسية إلى سوق تجارية.

واليوم يكاد التونسيون يجمعون على إسقاط يافطة الديمقراطية مفضلين لقمة العيش عليها لا اقتناعا وإنما إكراها أملته سبع سنوات عجاف من الأوهام وأحلام اليقظ السياسية.