السفينة التركية والانتخابات الليبية

لم يتوقف كثيرون طويلا عند السفينة التركية المتجهة إلى ليبيا ومتفجراتها وأوقفتها اليونان مؤخرا، وكأن هناك اتفاقا على تجاهلها، مع أنها جريمة مكتملة الأركان، تكشف لأي مدى تلعب أنقرة دورا في تغذية الفوضى، ولأي درجة العلاقة وثيقة بينها والجماعات الإرهابية في المنطقة.

اليونان تمضي في طريق التحقيقات القانوني، لكنها بحاجة إلى دعم سياسي يمكنها من فضح المخطط التركي في ليبيا والذي بدأ مع سقوط نظام معمر القذافي، وكشفت جانبا من ملامحه هيلاري كلينتون وزريرة الخارجية الأميركية السابقة، عندما أشارت لقيام أنقرة بالمشاركة في تهريب غاز السارين السام من ليبيا إلى سوريا.

القيادة العسكرية الليبية تتابع الموضوع وتحتاج فقط مساندة من المجتمع الدولي، وميناء مصراته أكد أنه تلقى اخطارا بالسفينة، ما ينفي أحاديث متناثرة تريد تعويم القضية بذريعة أن وجهتها كانت جيبوتي أو سلطنة عمان.

حكومة الوفاق الوطني التي يرأسها فايز السراج تصر على عدم الاهتمام بالقضية، وتغض الطرف عن متابعة تطوراتها، لأنها تعرف أن الفضيحة يمكن أن تخلف رذاذا يطالها، بحكم العلاقة الجيدة التي تربط بين السراج والقيادة التركية حاليا والدور المشبوه الذي يقوم به سفيره الإخواني في أنقرة.

كما أن الحكومة مستفيدة من استمرار السيولة الحالية، التي ساعدت على القبول بتجاوز توقيتات اتفاق الصخيرات، ليبقى السراج في المشهد السياسي، بحجة أن انهياره قبل التفاهم على موعد الانتخابات يمكن أن يفضي لمزيد من التدهور.

وهو تصور حق يتبناه المبعوث الأممي غسان سلامة، لكنه يقود إلى باطل، لأن الارتكان إلى ضرورة الاستقرار موقف مطاط يؤدي لبقاء السراج وفريقه في السلطة، في حين أن انتخابات مجلس النواب الحالي جرت منذ حوالي ثلاث سنوات وكانت الأوضاع أشد بؤسا.

القوى الدولية الفاعلة في ليبيا، لم تملك حتى الآن الرغبة والإرادة للمضي في سيناريو التسوية، بسبب تضارب أهدافها، فكل طرف يريد التسوية التي تحقق له أعلى مصلحة إستراتيجية، ويتصرف على أساس ذلك، حتى لو تسبب في توسيع نطاق الانسداد، المهم الحصول على جزء معتبر من الكعكة الليبية.

لذلك تصمم القوى الدولية المؤثرة على استمرار حظر تصدير السلاح إلى ليبيا، وفرملة التقدم الذي يحرزه الجيش بقيادة المشير خليفة حفتر، وعرقلة الجهود الرامية لبسط سيطرته على الأراضي الليبية، وبدا المجتمع الدولي كمن يحظر السلاح على الجيش فقط، بينما يسمح بتهريبه إلى الميلشيات وضخ متفجرات جديدة في عروقها كلما لانت عزيمتها.

السفينة التي أُوقفت في اليونان، ليست الأولى من نوعها، فقد سبقتها سفن أخرى من تركيا وغيرها، وهو ما يفسر سبب الغزارة في العنف، ويبين أن هناك جهات عديدة لا تريد لهذا البلد الأمن والاستقرار، ويفسر سر التعثر الحاصل في التسوية وتضارب المشروعات الساعية لحل الأزمة، ولماذا يظهر مناهضون لمشروع الحل السياسي المصري، كلما أحرز تقدما؟

الحمولة التي وضعتها السفينة التركية في باطنها كانت كفيلة بمد المليشيات بمعدات تمكنها من زيادة وتيرة التفجيرات في ليبيا، وربما يتسرب جزء منها إلى دول مجاورة، الأمر الذي تسعى إليه تركيا لقطع الطريق على إجراء الانتخابات.

المؤشرات الحالية تقول أن الدول التي ساعدت على استمرار الفوضى، بدأت تتكشف ملامح أدوارها، فمنذ تسليط الأضواء على الدور القذر الذي تلعبه قطر في دعم الجماعات المتشددة وعبثها في الفضاء الليبي تراجع بنسبة كبيرة، وصورتها البراقة تلاشت وبدأت الشعارات ترفع صراحة في مدن ليبية تندد بالدوحة، وهو ما لم يكن متوافرا من قبل.

تركيا، وهي تتقاسم مع قطر الكثير من الأدوار المتعلقة برعاية جماعات العنف والإرهاب، تريد تعويض تراجع الدوحة، وتحاول مضاعفة جهودها لكسر الحلقة التي بدأت تطوقها في الأماكن التي تتحرك فيها، وهي تجد في الساحة الليبية محاولة لتعويض اخفاقها في سوريا، لأنها لا تريد التفريط في ورقة التيار الإسلامي بأطيافه المختلفة.

لدى أنقرة، والقوى الدولية المستفيدة من دعم هذا التيار، اعتقاد أن إجراء الانتخابات في هذه الأجواء سوف يأتي بنتائج تزيح القوة السياسية التي تتمتع بها الجماعات الإسلامية، ومن الواجب أن تحافظ على قوة عسكرية موازية تساعدها على الصمود في مواجهة التقدم الذي يحرزه الجيش الليبي، وتمنع الوصول إلى الانتخابات في وضع مختل يميل لصالح الخصوم.

الملامح المتوافرة تقول أن القوى المؤيدة للنظام الليبي القديم تستعيد عافيتها، بدعم من بعض رموز الجيش وشخصيات سياسية وقبائل كبيرة، وكلها كفرت بالأوضاع الراهنة بعد أن نجحت فصائل مسلحة، من العصابات والإسلاميين، في السيطرة على عدد من المفاصل الحيوية للبلاد، وظفتها لصالح قوى خارجية، بينها تركيا.

بالطبع سفينة المتفجرات التي أوقفتها اليونان، لن تقلب الأوضاع رأسا على عقب في ليبيا، لكنها تنطوي على دلالة رمزية مهمة تخص نمط تفكير بعض القوى في الأزمة الليبية، والقدرة على توظيف الفراغ لتحقيق مصالح بعيدة تماما عن التسوية.

الحادث يفسر أحد أسرار العقم الذي يواجه الأزمة، ما يفرض على المجتمع الدولي التصرف بمسئولية، ومعاقبة الجهة التي تتسبب في تعطيل الحل السياسي، وما تفعله تركيا من تدخلات سافرة في ليبيا التي تبعد عنها مئات الأميال، يبدو مشابها لما قامت به في سوريا القريبة منها، وفي الحالتين هناك قاسم مشترك وهو احتضان ودعم الإسلاميين.

عندما اكتشفت قوى غربية ارتدادات الدور التركي في سوريا، انتفضت لرعاية مصالحها، لأن الجماعات المتشددة التي تسربت من دول أوروبية إلى سوريا عبر الأراضي التركية عاد بعضها إلى أماكنه الأولى، واصطحب معه آخرين ضمن موجة من الهجرة غير الشرعية كادت تجتاح دولة مثل ألمانيا.

الموقف في ليبيا أشد خطورة، وتحت لافتة دعم الميلشيات الإسلامية لإحداث توازن مع تقدم الجيش، ووقف التقدم الناعم الذي يحرزه أنصار نظام القذافي، تضع قوى أوروبية نفسها في مربع غاية في الحساسية، قد يسفر عن تعطيل الانتخابات، لكنه يمنح فرصة للجماعات الإرهابية للتغول والزحف إلى أوروبا، وربما يعطي مبررا لدولة مثل روسيا لتكرار اللعبة السورية على الأراضي الليبية.