ماذا وراء موافقة طهران للتفاوض على صواريخها؟

لا يبدو إن التصريحات والمواقف "العنترية" لقادة ومسؤولي نظام الجمهورية الاسلامية الايرانية بشأن رفضهم القاطع لإخضاع برامج صواريخهم الباليستية للمفاوضات مع البلدان الغربية ستستمر كما إن إستهزائهم وسخريتهم من مطالب الرئيس الاميركي بهذا الصدد ستشهد هي الاخرى تغييرا نوعيا، بعد أن أعلنت مصادر غربية بأن إيران وافقت على مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي حول برنامجها للصواريخ الباليستية المثير للجدل وسياساتها التخريبية في إطار سعيها للتوسع الإقليمي في الشرق الأوسط.

هذه الموافقة تأتي بعد جملة أحداث وتطورات شهدتها إيران والمنطقة والعالم ولم يعد بوسع طهران أن تستمر في مواقفها المتعنتة خصوصا بعد أن صار موقفها داخليا وإقليميا ودوليا يميل ليس الى التضعضع فقط وانما الى نوع من الهزالة أيضا. بل ويمكن القول بأن أوضاعها في عام 2015 الذي إضطرها للتوقيع على الاتفاق النووي وتجرع المرشد الاعلى للسم النووي كما وصفته المعارضة الايرانية، لم تكن بالغة السوء كما هو حالها الان في مطلع العام 2018، ولا ريب من إن بوسع البلدان الاوربية المفاوضة أن تخرج بنتائج أفضل بكثير من تلك التي خرجت بها في المفاوضات التي أفضت الى الاتفاق النووي.

بداية لا بد من التأكيد على إن العامل الاقوى والاكثر تأثيرا على النظام الايراني في دفعه لإتخاذ مواقف تجاه القضايا الحساسة والحيوية له، هو العامل الداخلي، أي الاوضاع السياسية والاقتصادية والامنية في داخل إيران، ولسنا نضيف جديدا عندما نعيد الى الاذهان بأن جلوس محمد جواد ظريف على طاولة المفاوضات وتوقيعه للاتفاق النووي في تموز عام 2015، كان بسبب من الاوضاع الداخلية التي كانت توشك على الانفجار بوجه النظام، وعندما نتحدث عن الاوضاع الداخلية في إيران حاليا وهي تعيش غمار وتداعيات إنتفاضة أرعبت النظام وإضطرت المرشد الاعلى أن يكون رهين صمت مريب لمدة 13 يوما، حيث كان الشعب المنتفض في 130 مدينة يهتف بالموت للديكتاتور أي خامنئي وقاموا بتمزيق وإحراق صوره بل والهجوم على الحوزات الدينية ومقرات أئمة الجمعة في العديد من المدن، والانكى من ذلك أنه وباعتراف المرشد الاعلى ذاته فإن الانتفاضة هي من صنع منظمة مجاهدي خلق التي يعتبرها النظام أكبر عدو له، ولذلك فإن موقف طهران أزاء المطالب الغربية بالتفاوض بشأن الصواريخ الباليستية لها في ظل ذلك هو أضعف بكثير من موقفه في عام 2015.

النقطة الاخرى التي لا بد من إثارتها إن تعويل طهران على الموقف الروسي الداعم لها لأهداف وغايات تتعلق بمصالح روسيا، قد أظهر لها بأن الروس ليسوا على إستعداد للذهاب الى مسافة أبعد من تلك التي تحددها مصالحهم، وهم عندما رأوا البلدان الاوروبية تنقاد للموقف الاميركي وتضغط على طهران لكي تتفاوض الاخيرة بشأن برامج صواريخها الباليستية وكذلك التدخلات المريبة في المنطقة، فإنهم نأوا بنفسهم عن طهران بما يجعلها أن تفهم أن موسكو ليست تمضي معهم الى آخر الخط، علما بأن موسكو تعلم جيدا بأن التدخلات الايرانية في المنطقة كانت واحدة من الامور التي تطالب الانتفاضة الايرانية بإنهائها.