مشكلة المنطقة العربية في أنظمة مهزوزة لا تحظى بشرعية قوية

في العام 1956 أسس الزعيم التاريخي التونسي الحبيب بورقيبة أول نظام جمهوري على أنقاض النظام الملكي الذي حكم تونس طيلة أكثر من قرنين ليركز مشروعا وطنيا يهدف إلى التحديث السياسي والاجتماعي تقوده دولة مدنية مهابة على شاكلة الدولة العلمانية الفرنسية في مجتمع يئن تحت قبضة "الشيوخ" والارستقراطيين والقبائل.

خاض الزعيم العلماني معارك شرسة ضد شيوخ جامع الزيتونة المتحالفة مع العائلات الأرستقراطية العريقة في المدن الكبرى وفي مقدمتها تونس العاصمة وأيضا ضد القبائل المنتشرة على كامل خارطة تونس حالما بدولة مدنية تحظى بالشرعية.

وفي ظل ثقافة تغلب عليها مسحة دينية محافظة تتوجس من أي تغيير ينخر مصالحها ويهز مكانتها الاعتبارية، تحالف شيوخ جامع الزيتونة والعائلات الارستقراطية وشيوخ القبائل مع معارض "المجاهد الأكبر" صالح بن يوسف المتأثر بالفكر القومي الذي كان يجتاح المنطقة العربية آنذاك بقيادة ملهم القومية العربية جمال عبد الناصر.

غير أن الجرأة التي تسلح بها بورقيبة بكل دهاء حسمت المعركة لصالحه بعد أن ألقى بخصومه على هامش العملية السياسية وفكك كيانات الأرستقراطية ومزق النسيج القبلي ليستفرد معية نخبة مثقفة ثقافة عصرية هي أقرب للثقافة الغربية منها للثقافة العربية الإسلامية المحافظة التي كثيرا ما ساهمت في مواجهة التحديث على جميع المستويات.

كان بورقيبة يؤمن بأنه لن يتقدم في بناء نظام جمهوري ودولة علمانية ومجتمع عصري ما لم يقض على تحالف القوى الدينية والاجتماعية في المدن وفي الأرياف ذات المصالح المشتركة لذلك دفع بمؤسسات الدولة لتفتك بها وتجتثها وتجفف منابعها بكل قسوة.

دفع دهاؤه السياسي إلى القيام بزيارات مجاملة باستمرار للعائلات الأرستقراطية المتنفذة اجتماعيا ومساكن الشيوخ المتنفذين دينيا وكان يبادر حين يستقبلوه بطلب سجادة الصلاة ليصلي ركعتين تحية لآل البيت وهي سنة معروفة في محاولة تهدف إلى إقناعهم بأنه رجل متدين لا يتمسك فقط بالفروض وإنما أيضا بالسنة.

كما دفعه إلى استرضاء شيوخ القبائل في الأرياف من خلال اجتماعات شعبية يلقي خلالها خطبا تقدم رؤيته لبناء تونس تحت عنوان "الاتصال المباشر بالشعب".

وعلى الرغم من ان دهاءه السياسي امتص كثيرا من غضب القوى المعارضة له بعد أن هلكت مصالحها واهتزت مكانتها الاجتماعية ظل نظام الزعيم طيلة الستينات والسبعينات يقاوم شراسة المحافظين الذين لا يرون فيه سوى رجل علماني لائكي.

تأسس المشروع البورقيبي على قوة الدولة وأجهزتها المستنسخة من مؤسسات الدولة الفرنسية وعلى شراسة الزعيم واستماتته في تحويل تونس من "غبار من الأفراد إلى دولة ومجتمع عصري" كما كان يردد دائما مشددا على أن "تونس أنا وأنا تونس".

من الإجحاف تجاهل المكاسب التي حققتها تونس في ظل حكمه: دستور مدني، مؤسسات دولة سيادية، حرية المرأة، نظام تعليم حديث. لكن من الإجحاف أيضا أن نتجاهل ان النظام لم يكن يحظى بالشرعية السياسية والشعبية الكافية لعدة عوامل.

نعني هنا غياب الثقافة السياسية الكفيلة بالولاء للنظام وبتوفير الإسناد للمشروع المدني الوطني من قبل قوى تتبنى ثقافة سياسية محافظة ومعادية لأي عملية تحديث سياسي واجتماعي وعيا منها بأن تلك العملية تستبطن القضاء عليها.

كان الزعيم شرسا ضد الثقافة العامة ذات الطابع الديني وكان لا يرى فيها سوى أحد العوامل لتخلف تونس والعرب عامة لذلك استخدم مفهوم القوة القوية المهابة لتمزيق قيمها حتى أنه لم يتردد في شرب كأس ماء خلال شهر رمضان أمام الآلاف من التونسيين وهو يلقي خطابا يحث فيه على العمل حتى وإن أدى ذلك إلى الإفطار.

وعلى الضفة الأخرى كان بورقيبة يواجه موجة التيار الشيوعي الذي تعود جذور تأسيسه إلى العام 1920 اقتناعا منه بأن لا الإسلام بمفهومه الزيتوني ولا الشيوعية بمفهومها الماركسي اللينيني بقادرين على نقل تونس تاريخيا من التخلف إلى الحداثة.

وفي أعقاب عفوه عن قيادات اليسار بعد أن زج بهم في السجن استدعى عددا منهم في قصر قرطاج ولما دخلوا عليه التفت إلى حمة الهمامي مؤسس الحزب الشيوعي التونسي متسائلا "يا حمة أين تعلمت الماركسية والديمقراطية؟ ألم تتعلمها في مؤسسات التعليم التي أسسها بورقيبة؟ كيف تعارضونني وأنا الذي خلق تونس"؟

كان الزعيم يدرك أن نظامه لا يحظى بالشرعية السياسية والشعبية غير أنه راهن على انتزاع تلك الشرعية مستخدما مرة قوة وضغط الدولة ومرة المراهنة على تقدم عملية التحديث السياسي ليستثمر عائداتها في الفتك بمعارضيه، وهو ما حصل فعلا.

ومن العام 1956 إلى العام 1987 تاريخ تنحي بورقيبة على الحكم بدا النظام الجمهوري مهتزا وقابلا للمزيد من الاهتزاز ولولا هالة الزعامة التي يتمتع بها بورقيبة حتى أنه تماهى أو كاد مع مؤسسات الدولة ومع مشروعه التحديثي لانهار النظام.

مشكلة بورقيبة تكمن في شراسته وفي نرجسيته المطلقة ولكنها تكمن أيضا في ما يتسلح به من رؤية ثاقبة للتحولات الإقليمية والدولية حتى أنه توقع في منتصف السبعينات تفكك الاتحاد السوفييتي وفق ما صرح به وزير خارجيته آنذاك محمود المستيري.

وفي ظل مجتمع يكاد يكون أميا ويفتقد لثقافة سياسية مدنية حديثة، بدا نظام بورقيبة مجردا من الإسناد الكافي على الرغم أنه يبقى زعيما ملهما. وإذا ما استثنينا النخبة المثقفة كانت غالبية اتجاهات الراي العام تنتهج تجاه الزعيم مقولة "ألسنتنا معك وقلوبنا ضدك" إلى حد المجاهرة بالمدح الفج وغياب الفكر النقدي لسياسة "المجاهد الأكبر".

على أن ذلك لم يمنع النخبة اليسارية واللبرالية من محاولة إقناع بورقيبة بالانفتاح السياسي نظرا لتعددية النخب لا المجتمع آنذاك، غير أنه كان يرفض بشدة أن تقترب أي جهة مهما كانت من سطوته السياسية وهالة نفوذه الروحي.

بعد خيبة النخبة الديمقراطية من تمسك بورقيبة بالانفراد بالحكم، قرر أحمد المستيري الانسحاب من الحزب الحاكم وأسس في حزيران 1978 معية عدد من السياسيين العلمانيين "حركة الديمقراطيين الاشتراكيين" وهي أول حزب معارض.

وتزامن تأسيس الحركة مع موجة من انسحابات والتجاء المعارضين إلى الاتحاد العام التونسي للشغل حيث وجدت فيه طوائف اليسار فضاء ديمقراطيا منفتحا على مختلف القوى، وعلى الضفة الأخرى من اليسار أسس راشد الغنوشي رفقة عبد الفتاح مورو وآخرون في حزيران 1981 نواة تابعة للإخوان تحت اسم حركة الاتجاه الإسلامي.

أما على المستوى الشعبي فقد تصاعد الغضب على نظام الزعيم الذي فرض عليها الكثير من التضحيات، إذ كانت أجيال الاستقلال قبلت بقسوة الدولة والضغط السياسي والاجتماعي على أمل أن تنعم في آخر العمر بالرفاه وإن لم تنعم هي به تنعم به الأجيال اللاحقة، لكن محدودية عائدات عملية التحديث السياسي والتنموي خيبت الآمال.

ومع دخول "المجاهد الأكبر" إلى مرحلة الشيخوخة السريرية، تآكل النظام من الدخل كما تآكل من الخارج وانفضت من حوله غالبية التونسيين ليتجرد من الشرعية السياسية والشعبية التي كان يتمتع بها نسبيا خلال الستينات والنصف الأول من السبعينات.

كانت مشكلة نظام بورقيبة تكمن في عدم اقتناعه بالتشاركية الديمقراطية إذ كان يرى أن المجتمع التونسي ما زال "لم ينضج سياسيا". والأبعد من ذلك أنه كان يعتبر أن المجتمعات العربية لا تجدي معها الديمقراطية نفعا.

وإذا تصفحنا تجربة الأنظمة العربية نكتشف أنها سارت على خطى بورقيبة في جانبها الديمقراطي إذ لم تراهن تلك الأنظمة على الشرعية السياسية والشعبية بقدر ما راهنت إما على سطوة الأجهزة الأمنية والعسكرية أو على يافطات متعددة منها القومية العربية والأمة والقضية الفلسطينية ومقاومة الكيان الصهيوني ورميه في البحر.

وفي أحسن الحالات كانت الأنظمة تستدرج القبائل والعشائر وتسترضيها إما من خلال إشراكها صوريا في العملية السياسية أو بامتصاص غضبها من خلال تمكينها من منافذ الثراء مقابل ولاء صوري لم يعد يجدي نفعا مع شعوب تتطلع إلى الحرية والديمقراطية.

وتظهر الأحداث الدراماتيكية التي تشهدها المنطقة أن الشعوب العربية سئمت من التموقع في هامش العملية السياسية وبعيدا عن مواقع صنع القرار الوطني والقومي وباتت تطالب الأنظمة الفردانية بحقوقها السياسية والمدنية والاجتماعية.

مشكلة الأنظمة العربية لا تكمن في طبيعة السياسات بل تكمن أساسا في غياب يكاد يكون مطلقا لحزام من الشرعية السياسية والشعبية الذي يتغذى من الانفتاح على جميع مكونات المجتمع وينأى بنفسه عن منطق ولاية الفقيه والوصاية على الناس.

ومسألة الشرعية لا تؤمنها سطوة القوة الأمنية والعسكرية ولا اليافطات مهما كانت عناوينها ومهما كانت أهميتها وإنما تؤمنها ثقافة سياسية شعبية تمنح نظام الحكم ثقة حقيقية وولاء صادقا وترى فيه الكيان الانتمائي الوحيد الراعي لحق المواطنة الكاملة.

يمكن هنا أن نستثني الأنظمة الملكية لأنها أنظمة ذات طابع خصوصي نجحت في تأمين حد مقبول من الشرعية إذ تحولت المؤسسة الملكية إلى ما يشبه رمز هوية المجتمع وكيانه السياسي والاجتماعي والثقافي على خلاف الأنظمة الجمهورية.

عدا ذلك فإن الشعوب العربية كثيرا ما صبرت على وقوفها خارج صناعة تاريخها لتتكفل به أنظمة فردانية تستنقص من أهمية التشاركية الديمقراطية وتستخف بالشرعية السياسية والشعبية التي لن تتأتى إلا من خلال "السماح" للشعوب بالخروج من سجون الهوامش التاريخية لتساهم في نحت ملامح السياسات والقرارات.

والمفارقة الغريبة أن الأنظمة العربية تدرك هي نفسها أن قوتها لا يمكن أن تستمدها إلا من الشرعية السياسية والشعبية ولكن يبدو أنها فاضلت ولاء الأجهزة الأمنية والعسكرية على ولاء الشعوب دون أن نستنقص من أهمية الدور الذي لعبته وتلعبه تلك الأجهزة.

وبعد أكثر من نصف قرن باتت الأنظمة العربية تواجه جيلا جديدا يطالب بالتشاركية الديمقراطية وبالتنمية وبحقوق المواطنة، وهو ما يملي على تلك الأنظمة أن تراجع مفهومها للحكم المشروع وهي ما لم تنسج حزاما من الشرعية القوية من خلال القطع مع سياسات التهميش السياسي سواء للنخب أو للشعوب ستبقى مهزوزة.

وانتهى استهلاك جميع اليافطات التي رفعتها الأنظمة العربية لابتزاز شعوب نفذ صبرها وباتت المنطقة في أمس الحاجة إلى انخراط الناس في صناعة التاريخ. وأصبحت الأنظمة تتحسس مواطن وهنها وهي لئن لم تركز حزام الشرعية السياسية والشعبية لن يكون مصيرها إلا كمصير الحبيب بورقيبة الذي احيل على التقاعد السياسي بثورة هادئة.