هل جعلت الصحافة العالم أفضل؟

عندما يُنظر إلى الصحافيين بأنهم شكل آخر للعدالة، فلأن الصحافة في حقيقتها تحاول أن تجعل العالم مكانا أفضل، وليست مجرد وصف للعالم، بل يبدو العالم فقيرا جدا من دونها! منذ أن قال الروائي فيكتور هيغو إن مبدأ حرية الصحافة لا يقل أهمية عن مبدأ الاقتراع العام، كلاهما سراج للحكومة، وتقويض أحدهما تقويض للآخر.

مع ذلك تتصاعد أسئلة مخيفة في عصر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عما إذا كانت الصحافة قد جعلت حقا العالم أفضل؟ وهل هي فعلا شكل آخر من العدالة. بينما يواصل الرئيس الأميركي توزيع جوائز الإخبار الكاذبة على وسائل الإعلام مثل “سي إن إن” ونيويورك تايمز وواشنطن بوست، بلغة ستالينية تهكمية.

نحن ندرك مثلما أدرك أوسكار وايلد من قبل بأن الرئيس في الولايات المتحدة، يحكم أربع سنوات، بينما تحكم الصحافة إلى الأبد. ولا يبدو من العدل تسويق فكرة معركة الصحافة مع ترامب بأنها من تحدد المصير، معركة الصحافة الحقيقية مع نفسها وطبيعة محتواها من أجل التغيير وإعادة تنظيم المجتمع لنفسه، وإرغام الحكومات على قبول حرية التعبير بنفس القدر من الوقوف بوجه الكراهية والطائفية الدينية والعنصرية والتخلّف.

لقد نال فيلم “ذا بوست” المتواصل عرضه حاليا للمخرج الأميركي ستيفن سبيلبرغ الثناء باعتباره تذكرة جاءت في الوقت المناسب بحرية الصحافة والديمقراطية والوشايات والأكاذيب.

لهذا ترى باربي زيليزر صاحبة كتاب “كيف تكون الصحافة” إذا كان عصر ترامب تحدياً لمهنة الصحافة فهو كذلك فرصة عظيمة للتغيير.

في مسرحية اسمها “الحبر” عرضت الصيف الماضي تتحدث عن الأيام الأولى للصحيفة الشعبية البريطانية “ذا صن” وتُروى بشكل أساسي من خلال العلاقة ما بين إمبراطور الإعلام روبيرت مردوخ ولاري لامب، أول رئيس تحرير لديه.

يخاطب مردوخ لامب قائلا “إن السلطة تحلّ مكان السلطة بنفسها. يمكنك إما الوقوف إلى الجانب الآخر من النافذة، وتطرق، تطرق، تطرق، حتى يسمح لك بالدخول، وإما يمكنك تشكيل خط جديد للصعود”.

وكما يبدو أن مردوخ أراد إيجاد مسار جديد للصعود والارتقاء، وذلك ما يجعل من جيل بيتر بريستون رئيس تحرير صحيفة الغارديان السابق الذي رحل عن عالمنا الأسبوع الماضي، قادة رفض صحافي لإقامة علاقة غير متوازنة مع السياسيين من أجل الوصول، بل يجتهدون من أجل العمل ومن أجل الهدف الأول للصحافة وهو جعل العالم أفضل.

كان الصحافيون المخلصون في أزمان مضت ومازالت نسبة كبيرة منهم يعملون من أجل هذا الهدف العادل وليس أي شي سواه، من الصعب أن نجمع على أنهم نجحوا بشكل نهائي، لكنهم بالتأكيد عملوا من أجل ذلك ولم يبالوا بتهديدات الحكومات. ويبدو من المفيد أن نستذكر مثل هؤلاء في وقت يجعل ترامب ومن يسير في طريقه من الصحافة وكأنها “نبت شيطاني” لا تحوي غير الأكاذيب والتدليس والخضوع الفج لمصدر الأموال والسكوت عن الفساد، ولسوء الحظ ثمة صحافة منتشرة اليوم وظيفتها تلميع الفساد سواء كان مصدره رجال الدين أو السياسة.

انتشار النماذج البالية لا يجعل الهدف الأسمى للصحافة بأن يكون العالم أفضل.

يستخلص كين فيشر الرئيس المؤسس لشركة للاستثمارات في أوروبا، الدرس الكبير مما يسمى حادثة الدمار التكنولوجي أو السياسي بالقول “عندما تصبح وسائل الإعلام مشغولة تماما ولا شأن لها سوى الحديث عن زاوية حديثة لا تشتمل على أي تحسين، سيكون من المحتمل جدا أن تكون هذه مرحلة عابرة قصيرة الأجل أكثر من كونها اتجاها عاما طويل الأجل”.

وبذلك لا يكون الحال أفضل عندما لا تكون عين الصحافة قد وصلت حتى صناديق التحوّط المالي والسياسي، وما يفكر فيه السياسيون وليس فقط ما يعلنون أمام الكاميرات.

لا أريد هنا تسويق التعاطف مع الصحافة من أجل إبعاد فكرة “النبتة الشيطانية” لكنني أرى أن الصحافة تتحمّل الجزء الأكبر من الاتهام عندما لا تكون متسقة مع مبادئها، وعاجزة عن الدفاع عن الناس حيال جبروت الحكومات، والتواطؤ مع السياسيين الفاسدين، أو أن تصبح هامشا ذليلا للخطاب المتخلّف لرجال الدين، ذلك يعني باختصار أن الصحافة لم تجعل العالم أفضل، إن لم تكن قد ساهمت بجعله أسوأ.

الصحافة في جوهرها تدرك أن لا خيار أمام السياسيين غير اللجوء إليها، لهذا يبقى هدفهم الأول إخضاعها لنواياهم غير العادلة، من أجل تمرير ما يريدونه حتى في أهم معاقل الديمقراطية. فعندما ارتفع الحلم السياسي لجيرهارد شرودر من أجل أن يكون المستشار الألماني، قال “أنا بحاجة إلى صحيفة بيلد يوم الأحد من أجل أن أتولى الحكم” ولم تقل الصحيفة الأكثر تداولا في ألمانيا، أنها بحاجة إلى شرودر لتبقى أكثر تداولا.

في الماضي، عملت البلدان الديمقراطية الغربية على بناء جدران بين الكنيسة والدولة. والجدار الذي تحتاج الصحافة إلى تشييده اليوم هو الذي يمكن أن يفصل الحكومات عن الفساد بشكل نهائي ومنع خضوع الدولة لأمزجة رجال الدين وإشاعة الخرافة ونقل تقاليد المسجد إلى الدولة من أجل تجهيل المجتمع، عندئذ سيكون من الممكن الإجابة بتفاؤل عن سؤال: هل جعلت الصحافة العالم أفضل؟