جيش سوري حر أم مرتزقة أتراك؟

يوم لم تكن هناك تنظيمات وجماعات إرهابية تقاتل في سوريا كان هناك جيش سوري حر هو عبارة عن فصائل مسلحة، كان ظهورها بمثابة اعلان رسمي لانتقال المعارضة السورية من الاحتجاجات السلمية إلى الكفاح المسلح.

كانت تركيا وهي الدولة الأولى في العالم التي أعلنت عن تدخلها في الشأن السوري هي التي دربت تلك الفصائل على القتال وانطلاقا من أراضيها برعاية ومباركة أميركيتين.

اما حين بدأت الجماعات المتشددة في الانتشار في مختلف أنحاء سوريا فقد فُتحت تركيا حدودها للقادمين الجدد من أتباع تلك الجماعات، وهو ما فتح الباب أمام تلاقيات وتفاهمات كانت يومها غامضة بين أجهزة مخابرات دولية وجدت في الحرب السورية مناسبة للتنويع على نشاطها في منطقة الشرق الأوسط.

لم تكن تركيا غائبة عن ذلك التحول، بل كانت قلبه، غير أن حماستها للجيش الحر ضعفت، لأسباب اقتصادية وعقائدية، كانت أقوى من حماستها النظرية، حين كان اردوغان يطالب بتحول ديمقراطي في سوريا.

لقد اعتقدت تركيا أن كل تلك التحولات إنما تجري لمصلحة مشروعها في المنطقة، وهو مشروع ينافس المشروع الإيراني من جهة ما ينطوي عليه من رغبة في التوسع والتمدد والقيام بدور الوصي.

لقد لعبت تركيا دورا خطيرا على مستوى تبني الجماعات الإرهابية، غير أن انحسار نشاط الجيش السوري الحر وتفكك فصائله لم يكن مردهما إلى أن تركيا رفعت يدها عنه بعد تبنيها لتلك الجماعات ولكن السبب الذي يقف وراء ذلك انقطاع التمويل الخارجي وهو قرار أميركي وجد هوى لدى الممولين الاقليميين.

ما جرى لفصائل الجيش السوري الحر بعد ذلك صار معروفا. عدد منها انضم برجاله وسلاحه إلى الجماعات المتشددة وفي مقدمتها جبهة النصرة وهناك عدد آخر فضل أن يبقى تحت الخيمة التركية، من غير أن يقوى على الحركة داخل الساحة السورية في انتظار أوامر انقرة.

كان الجيش السوري الحر وهو التجسيد المسلح لقوة المعارضة السياسية على الأرض قد غير بغيابه عن المشهد المعادلات. فذلك الغياب دفع بالمعارضة إلى أن ترتكب أخطاء بشعة في محاولة منها لإيهام الآخرين بأنها لا تزال فاعلة على الأرض. وهو ما أضعف موقفها في المفاوضات.

اليوم إذ تعلن تركيا أنها تستعمل فصائل الجيش السوري الحر في قتال الأكراد فإنها تدفع بالمعارضة إلى منطقة حرجة. ذلك لأن الجيش الحر وهو الواجهة المسلحة للمعارضة لم يُؤسس إلا لهدف واحد وهو القتال من أجل أن تصل الثورة إلى أهدافها في إقامة نظام بديل، يقوم على أساس ديمقراطي تعددي لا يستثني أحدا من السوريين. اما أن يحارب ذلك الجيش الأكراد بناء على الأجندة التركية فإنه يتحول إلى جيش من المرتزقة.

صفة مؤسفة لا تليق بالسوريين غير انها واقعية. وهي نهاية كما أعتقد كانت متوقعة بالنسبة للكثيرين ممن فجعهم ارتماء المعارضة في الحضن التركي.

فالأكراد بغض النظر عن طريقة نظرتهم إلى نظام الحكم في دمشق فإنهم يظلون مواطنين سوريين يحق لهم ما لسواهم من السوريين في أن يؤكدوا وجودهم على مستوى المواطنة.

غير أن الجيش السوري الحر وقد تحول إلى فصيل عسكري تركي لا يملك حرية أن يكون مستقلا في قراره الوطني.

وبالرغم من كل تلك المعطيات يبقى الوضع الذي انتهى إليه الجيش السوري الحر مهينا. اما بالنسبة للمعارضة السياسية التي لا تزال تنظر إلى ذلك الجيش باعتباره جناحها العسكري فقد صار لزاما عليها أن لا تصمت وإن صمتت فإن ذلك الموقف المتخاذل إنما يعبر عن انهيار في منظومة الأخلاق الوطنية.

ولذلك يمكن اعتبار معركة تركيا الحالية في سوريا تحولا خطيرا في تاريخ المعارضة السورية.