على إيران أن تغادر عقدتها العربية

لم تثبت إيران أنها دولة نافعة في المنطقة. على العكس من ذلك تماما، كل ما قامت به أثبت أنها دولة ضارة. لا صداقتها تخفف من شرورها ولا الحوار معها بشروط متكافئة ومتوازنة ممكن.

لقد جربت شعوب المنطقة شرور إيران ولكن خيرها الذي تعد به ميليشياتها لم يجد له تجسيدا أرقى من الضاحية الجنوبية ببيروت التي هي رمز لانهيار العلاقة بالعصر الحديث.

لقد توجت إيران جهودها المدنية من خلال تلك الضاحية التي ما هي إلا مكب نفايات مقارنة بأصغر المدن في العالم واقلها أهمية. وكما أرى فإن إيران ليس في إمكانها أن تقدم للعرب على مستوى المدنية نموذجا أرقى من تلك المنطقة، حيث الحياة عبارة عن موكب عزاء.

ولكن مَن قال إن العرب ينتظرون من إيران أن تعلمهم بناء مدنهم؟

المشكلة تكمن في أن الضاحية المشار إليها ليست فقط مكانا للعيش وهي لا تصلح أن تكون كذلك بل هي أيضا بؤرة لمجموعة العقد التاريخية الإيرانية إزاء العرب. ما تريده إيران للعرب يبدو متحققا في ذلك المكان.

شعب مختطف من قبل عصابة تنحصر مهمتها في بث خطاب طائفي يستند إلى مرويات تاريخية، الكثير منها ملفق ومختلق وخرافي. وليس الهدف من ذلك الخطاب سوى تلويث العقول بمظلومية لم يعد لها مكان في العصر الحديث. ومن الانصاف القول إن انموذج الإيراني الذي يقدمه حزب الله من خلال الضاحية لا يجرؤ نظام الملالي على فرضه في المدن الإيرانية الكبرى. ربما وجد ذلك النموذج في الأرياف الإيرانية البعيدة فرصته للظهور.

هبة إيران للعرب هي عبارة عن مثلث، أضلاعه الفقر والجهل والعنف.

وهو ما يمكن التحقق منه في كل مكان تضع إيران يدها عليه. وليس العراق ببعيد.

البلد الثري، تزداد أعداد الفقراء والمشردين والايتام والمعوزين والمحرومين فيه يوما بعد آخر.

البلد الذي كان يوما يمول عملية طبع الكتب المدرسية لعدد من الدول العربية وكانت جامعاته تجذب إليها الطلاب من كل حدب وصوب واعتبر في سبعينات القرن العشرين بلدا نظيفا من الأمية صار أطفاله يتسربون من المدارس التي هي عبارة عن هياكل خاوية وصاروا يبيعون المخدرات وحبوب الهلوسة في الشوارع.

البلد الذي كان الكثيرون يأتون إليه من أجل العلاج بسبب تطور نظامه الصحي وكفاءة أطبائه صار سكانه يذهبون إلى الهند وتركيا والأردن للعلاج بسبب انهيار نظامه الصحي وتحول الأطباء فيه إلى جزارين ومرتشين.

أما العنف فيكفي للدلالة عليه القول إن العراقي يعتبر نفسه محظوظا لأنه أنهى نهارا ولم يُقتل. حياة العراقي هي منحة مؤقتة ذلك لأنها محكومة بعالم الصدفة. الصدفة وحدها هي التي لم تجعله في عداد المقتولين في انفجار ما والصدفة هي التي حالت بينه وبين أن يتم اختطافه من قبل عصابات صار أفرادها العاطلون عن العمل يعتاشون على الفدى التي يحصلون عليها جراء عمليات الخطف التي لا تشمل الأثرياء الجدد أبدا. ذلك لأن الوصول إلى تلك الشخصيات لا يمكن تخيل وقوعه في زمن شركات الحماية الخاصة.

كل هذا يجري في العراق في ظل نظام ديمقراطي، تعددي، يتم فيه كما يُقال تداول السلطة بشفافية ونزاهة وتحت رقابة دولية.

لم تنجح إيران في خداع العالم. تلك فرية يجب عدم تصديقها.

لقد صمت المجتمع الدولي زمنا طويلا وهو لا يزال صامتا في مواجهة النموذج الرث الذي ترغب إيران تعميمه في العالم العربي. وهو صمت يفضح عملية نفاق رخيص، الغرض منه إبقاء العالم العربي غائبا عن الوعي.

وكما أرى فإن عمليات التحديث الجريئة والشجاعة التي تجري في غير مكان من العالم العربي هي التعبير الأمثل عن مقاومة حقيقية للمشروع الإيراني المدعوم بصمت عالمي.

المدن العربية الحديثة بكل ما توفره من شروط عيش بشري كريم وآمن ومستقر ومتقدم في اشتباكه بالتقنيات الحديثة ومنسجم مع سياق الفكر العالمي المعاصر في إمكانها أن تظهر حقيقة رثاثة النموذج الإيراني بكل ما ينطوي عليه من فقر.

في مواجهة ذلك النجاح سيكون على أتباع إيران أن يعترفوا بأن عقدة إيران من العرب هي السبب في انحطاطهم وتخلفهم وانهيار منظومة القيم التي تحكم سبل عيشهم. وهو ما يمكن أن يقود إيران إلى التخلي عن عقدتها العربية أو البحث عن أساليب أخرى لتنفيس تلك العقدة.