أمجد ريان: الكثيرون من شعراء السبعينيات لم يطوروا شعرهم

الروح ما بعد الحداثية تشيع في حياتنا

تتشكل الرؤية الشعرية للشاعر أمجد ريان منذ انطلاقها في أوائل السبعينيات من القرن الماضي حتى الآن من سعي دوؤب لا يتوقف نحو التمرد والانفلات من السائد، لم تشغله القضايا والأحداث الكبرى والأيديولوجيات بل ذهب إلى الهامش الإنساني غير المرئي وغير المعتنى بحضوره ووجوده في هذا العالم ليشكل منه عالما جماليا وفنيا، لذا ضربت قصيدته طرقا ومسالك خارج سياق حتى قصيدة أبناء جيله من السبعينيين، لتظل أكثر انسجاما واتساقا مع ذاته ورؤيته للعالم.

لم يكن احتفاء أمجد ريان باللغة والرؤية الجمالية والفكرية للقصيدة ليمنعه من التقدم مضيا في كسر النمط والتمرد على الثابت، هذا على الرغم من أنه أبرز منظري جيله ومؤسسي مجلتهم الشهيرة "إضاءة 77" وحصوله على درجتي الماجستير والدكتوراه وأكثرهم تعاطيا مع النقد ومتابعة للتجربة الشعرية.

في هذا الحوار معه يقدم شهادة جريئة تتوافق مع رؤيته، يضيء من خلالها نقاطا مهمة حول فترة السبعينيات وأجواء المشهد الشعري في ذلك الوقت.. وطبيعة الصراع حول الرؤية الشعرية بين الأجيال.. وموقف النقاد من الأجيال الشعرية سواء الجديدة أو تلك التي كانت راسخة وقتئذ.

بداية وحول تجربة شعراء السبعينيات قال ريان "كان للاتجاه الشعري والجمالي الذي انتمي له، منذ البداية رأي فكري وجمالي لا أريد أن أقع في سلبيات الكثيرين، فأطلق تخيلاتي التي أتصور فيها أنه الرأي الصحيح الوحيد! بل وأنا أميل إلى رأي من يقولون بأن الشعرية السبعينية متهمة في مصر بإفساد الذائقة الشعرية، لأسباب كثيرة، ليس أقلها أن النصوص الشعرية تعاملت مع اللغة شديدة التركيب بتعسف شديد ساعد على تكريس حالة من الانغلاق، دفعت الكثيرين من قراء الشعر إلى إهمال هذه النصوص.

وأنا لي في هذه القضية وجهة نظر محددة، وهي أن تجربة شعراء السبعينيات قامت في مجتمعاتنا العربية بدور فكري وثقافي شديد الأهمية، وهو المساهمة في الخروج الشامل على الأحادية التاريخية، في الفكر والفن، وطرحت التعدد (الرؤيوي والجمالي والبنائي) شعاراً، وقد رفدت الحياة الثقافية بطاقة هائلة، لا تزال تغذي الإبداع العربي إلى اليوم، وقد قامت هذه التجربة بدورها الذي لبي حاجات ضرورية في الحياة وفي الأدب، وأعطى دروساً فكرية وجمالية للأجيال التالية، بل وللأجيال السابقة في بعض الأحيان، إلا أن هذه التجربة قد وقعت في عدة مشكلات كفيلة بتحولها من مكان الريادة إلى مكان تال، هو الأقرب بعد ذلك إلى الخفوت والانتهاء، والكمون حول ذاتها التي لم تعد قادرة على التفاعل مع الحياة.

وأوضح ريان أن أول هذه المشكلات هو السقوط في المثالية الجمالية التي يمكن أن ترى الجمال في: التصور، وليس في مد العالم وجزره، وحياته الفعلية، علي الرغم من توجه الفكر الجمالي بالتدريج إلى مناطق جديدة فيها مكان لرائحة الوجود الحي، وفيها مكان لدور القارئ وأهمية وجوده في عملية خلق النص، مما عرفناه في أعمال "هانز ياوس" و"آيزر" وغيرهما. حيث هذا التوجه الجديد الذي يسعى لتعميق الكيفيات التي يتم فهم الأعمال الشعرية من خلالها لدى الجمهور العريض الذي تتعدد في داخله حساسيات الفهم وأساليب التعامل مع النصوص.

والغريب في الأمر أنه لا يزال الكثيرون من شعراء السبعينيات متوقفين عند حدود بعينها هي الحدود التي ثبتوا عندها منذ الفترات التي نشطت فيها قصائدهم، متصورين بأنهم يملكون سر الشعرية المكين الذي يظل قدرا أبديا فوق الزمان والمكان! أو أنهم امتلكوه امتلاكاً، وانتهي الأمر، سر الشعرية الذي أصبح لديهم صلباً بارقاً مغلقاً لا يصح أن يخدش أو يمس بسوء! وهذا هو أهم عامل عجل بانتهاء التجربة، وكان لا بد أن يستفيد هؤلاء الشعراء من الدرس التاريخي الذي تعلموه جيدا في الماضي القريب، فعندما صدرت تجربتهم في بداية السبعينيات اصطدموا بالوجه الشعري الأسبق، بل اضطروا للصراع معه حيث انتصروا عليه انتصارا مؤزرا. لماذا تم هذا النصر؟ لأن المستقبل كان يجعل كفتهم ترجح لأنهم يبشرون بقيم وأفكار المستقبل الشعري، وحركة الواقع دائما في كل زمان وفي كل مكان تتجه نحو المستقبل، مبتعدة عن ركود وفشل القيم الفائتة التي لم تعد مجدية: وهذا بالضبط هو الدرس الذي لم يعوه جيدا، أو نسوه بسرعة، فبمجرد أن أعطيت لهم الفرصة التاريخية تشبثوا بمواقع الديمومة، وتخيلوا أن المجد الشعري هو قدرهم، ونسوا في غمرة الانتشاء حركة الزمن ودورانه القاسي المستمر الآخذ في النمو بلا توقف، ونسوا رائحة الحياة التي هي المصدر الفعلي الذي يرفد الشعر والفن كله بطاقة الاستمرار ولا يزال حتى اليوم عدد منهم يدلون بالتصاريح الهيكلية التي لا علاقة لها لا بالشعر ولا بالحياة.

وكشف ريان عن أنه في صباه وشبابه انبهر بالحداثة وبالشاعرين: أدونيس ومحمد عفيفي مطر، وقال: أذكر أنني كنت أحلم في منامي بأنني أقرأ شعر أدونيس، وكنت بالفعل أردد قصائده التي أحفظها عن ظهر قلب في المنام، وكنت أرى فيها معنى الخلاص في قلب ظروف غير آدمية كنت أعيشها، ويعيشها معي أبناء جيلي.

وكنت أحس أنه يلوذ بالطبيعة ويستنجد بها، ويتفاعل معها ويعيد بناءها، تماماً كما أريد أن أفعل أنا، كان أدونيس يعبر عني وعن أبناء جيلي بقوة ووصل إلىّ قبل محمد عفيفي مطر برغم أنه يعيش خارج البلاد، أما مطر فقد عرفته من خلال قصيدة منشورة في إحدي مجلات وزارة الثقافة في عام 1969، وما زلت اذكر اسمها: "الثابت والمتحرك"، وقد أثرّت في تأثيرا شديدا لدرجة أن جسدي كان ينتفض وأنا أقرؤها، بسبب اكتشافي لهذا الأسلوب الشعري التركيبي المجازي شديد الكثافة.

وقد أرسلت له في العام نفسه قصيدة إلى مجلة "سنابل" الإقليمية حيث كان من ضمن المشرفين عليها، فنشر القصيدة ونشر إلى جوارها رداً نقدياً علي رسالتي قال فيه مدحاً شديداً وقال إنني أحد كنوز مصر في المستقبل.

وأضاف ريان: كان هذان الشاعران يمثلان الوجه الإبداعي للطبقة المتوسطة الصغيرة في مصر والبلدان العربية، وقد عبرا عن هزيمة هذه الطبقة وإحساسها بالاختناق بسبب القهر الاقتصادي الذي تسببت فيه الدول الاستعمارية الغربية الكبرى، والقهر السياسي والإنساني الذي سببته حالة التخلف العظيمة التي كنا نعيشها، والقهر العسكري الذي سببه الاعتداء العسكري الإسرائيلي عام 1967. وكنت كأحد أفراد هذه الطبقة المستلبة أحس باختزال الإنسان وتحجيمه، وتحجيم دوره في دورة الإنتاج العام، الإنتاج ليس بمعناه الاقتصادي فقط، بل من خلال كافة المعاني التي يمكن أن تطرحها كلمة الإنتاج في كافة المجالات والظواهر الثقافية والفلسفية والحضارية، كانت أسرتي نموذجا تشريحيا دقيقا لهذه الطبقة، فأبي الموظف الحكومي ينتمي لأرياف مصر، وأبوه واحد من علماء الأزهر الفقراء، ربّانا أنا وأخوتي من خلال قيم دينية وأخلاقية صارمة، ولم تكن في حياتنا أية معطيات تبررها، وكان ضيق الحال المادي الذي نعيشه لا يستطيع حماية هذه القيم، لأن القيم دائماً أيا كان نوعها تحتاج إلى سند مادي قوي، فكانت النتيجة هي تمردي العقلي العنيف والذي تجسد في صورة تمرد شعري جذري، وتمرد أخوتي الأشقاء، والإناث منهم علي سبيل المثال تعرضن للاعتقال السياسي في فترة دراستهن الجامعية أيام الرئيس أنور السادات، وتمرد معظم أبناء جيلي وطبقتي علي معظم القيم الشائخة التي كانت تسود الواقع بلا أي معني.

وجدت في الحداثة وقتئذ، وفي الحداثة العليا ضالتي، وكان هذان الشاعران الكبيران أدونيس ومطر خير من يستطيع أن يمس الأوتار الحساسة في أعماقي، حيث كانا يمتلكان هذه القدرة الخارقة، علي تشغيل المجاز الشعري بأسلوب قادر على مداراة فجائع زماننا (وليس علاجها بالطبع)، ووضع عصابات غليظة فوق عيوننا حتى لا نرى هذا الرعب الذي يستشري في العالم من حولنا.

كنا ـ من خلال الحداثة ـ نختبئ داخل قواقع جمالية سميكة، نظل في داخلها نجتر ذواتنا الحساسة الرهيفة، دون قدرة على خدش جدار التاريخ السميك، أو حتى على الأقل القدرة على الطرق علي هذا الجدار.

وأشار ريان إلى أنه بمرور الزمن بدأت الحياة تتغير، وتتبدل معطياتها، وصارت الثقافة تعانق الحياة الجديدة وتستفيد منها، بدأنا نتعامل مع الحياة الثرية بكل ما فيها من تعدد، وبدأنا نتعلم كيف نرفض الأحادية والسكون والانغلاق، في زمن تتحرك فيه ديناميات التفاوت والتباين والتجاور، بكل ما يحتويه هذا من تشابه وتناقض، وبدأ المجاز اللغوي يفقد مكانته، وأهميته المركزية السابقة، ويتحول إلى مجرد قناع سميك يخفي محاولات الهروب من مواجهة الواقع. بل صار المجاز اللغوي بالنسبة لي لا يعني سوى الهروب من معرفة الواقع أصلا قبل مواجهته، وفجأة أصبح الكثيرون من الشعراء أشبه بالتحف التاريخية التي ما زالت تحافظ علي مواقعها الحربية القديمة بلا معني، وهذا أمر مضحك بالطبع، بل أمر هزلي شديد الإضحاك، عندما ترى اليوم فارساً مدججاً بالسلاح: يلوح بالسيف أو الرمح، وفي يساره الدرع الغليظ وعلي رأسه القناع الواقي، بلا معركة حقيقية يخوضها، تخيلوا معي هذا الفارس واقفاً يزعق في ميدان التحرير بالقاهرة منادياً بأفكاره الحميمة، أنه مخلص شديد الإخلاص، ولكنه معزول عن العالم مثل دون كيشوت.

لقد بدأ المجاز اللغوي يترك مكانه الذي مكث فيه القرون تلو القرون، بدأ يتركه طوعاً، لتحل محله معطيات أخرى: أهمها معطى الشهادة، الشهادة الواقعية التي تمثل بداية الطريق للمعرفة الحقيقية البسيطة التي حُجبت عن الإنسان لأحقاب طويلة، بدأ الشعراء يفتحون الطريق للحس التلقائي وللتعرف الأولي الصادق البسيط الذي يدفع بنا في طريق الفهم والمساهمة الآدمية الحقة لخلق قدر الإنسانية التي أنهكت طويلاً.

ولفت ريان إلى أنه كان يتصور أن أبناء جيله من الشعراء جميعا سيقفون إلى جوار التجديد وإلى جوار الأجيال الجديدة. وقال: تصورت هذا لأن أبناء جيلي هؤلاء هم الذين خاضوا في السبعينيات أشرس المعارك العقلية والجمالية والعملية بل والبدنية في بعض الأحيان عندما تعرضوا للرفض والحصار والاحتجاز والإيذاء والتهميش والتهديد والإفقار، ولأنهم مثلوا من خلال تجاربهم الشعرية حلقة جديدة من حلقات تطور قصيدة النثر، ولكن خذلني أبناء جيلي، وها هو واحد منهم يعلق على أحد الشعراء الجدد المنتمين للتسعينيات في ندوة أقيمت في القاهرة فيوجه له الكلمات نفسها التي وجهت له من قبل على لسان أحد الذين ينتمون إلى الأجيال السابقة، قال له بالنص: أنت تكتب أشياء جيدة ولكن الكتابة الأدبية شيء آخر لا علاقة له بما تكتب، وعندما ألمحت لزميلي ابن جيلي بأن ما يقوله قد قيل له من قبل، وذكرته بالحادثة بالتفصيل وبتاريخها، ولّى وجهه بعيدا وتركني، وبرغم هذا الدرس الذي أعطيته إياه وبرغم الدروس التي تعطيها حياتنا الثقافية اليوم له، ولي، ولأبناء جيلي جميعا، إلا أنهم لا يريدون أن يغادروا الماضي، متصورين أن انتصارات الأمس هي فردوس خالد فوق الزمان والمكان، ولم يعوا القضية البسيطة التي رضوا بها بالأمس عندما كانت تتماشي مع مصالحهم، القضية البسيطة التي تقول بأن الزمان يتحرك، ويتغير ويزداد ثراء يوما بعد يوم.

لقد بدأت الشعرية العربية تبحث بجدية عن طاقات الشعر في النثر، وعن استثمار هذه الطاقات المخزونة في النثر العربي منذ القديم، منذ تراثنا البعيد، والتي توقف تشغيلها منذ فترة طويلة.

ورأى ريان أن النثر العربي منذ البداية كانت له جولاته وصولاته التي أثرت على تاريخ الكتابة الأدبية العربية، ولكن توقف هذا التأثير لحقب طويلة، وقد آن الأوان لتفجير هذا المخزون التاريخي المتراكم . لقد تطورت قصيدة النثر، وصارت تتسع في نموها للدرجة التي بدأت فيها الكتابات الشعرية الأخرى في الخفوت التدريجي والتراجع.

وأكد ريان أن شعراء قصيدة النثر اليوم أضافوا الكثير لهذه التجربة المهمة، فالنثر له حركته البنائية واللغوية الخاصة، وله إيقاعه الخاص الذي يختلف جذريا عن أوزان الشعر التقليدية، هو إيقاع النثر المرتبط بالأفكار التي يقدمها، وهي أفكار مباشرة وحسية ومرتبطة بإيقاع اللحظة الواقعية، أفكار تسعي للكشف والتساؤل والملاحظة، وترفض اليقين أو الركون لأية مطلقات تقليدية، أو تصورات جاهزة أو مسبقة. وبرغم التغيرات الجذرية التي أصابت الحياة وأثرت على المفاهيم الثقافية وعلى الكتابة، لا يزال كثير من أبناء جيلي يصرون علي عدم وجودها!

ومنهم من اعتبروا هذا القضية محور الخصومة بينهم وبيني، وهم يرون انه لم تحدث أية تغيرات تذكر منذ السبعينيات وحتى اليوم! وآخر من حدثني في هذه القضية شاعر من أبناء جيلي أنهى حواره معي بالهاتف بإغلاق السماعة بشكل مفاجئ ينبئ عن انفعال عصبي شديد، ولسبب شبيه أنهي الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي مكالمته التلفونية معي ولكن بشكل مهذب، ولكنه نهائي منذ سنوات طويلة، ولم نتواصل أو نلتقي بعدها، وقد كان الحديث الهاتفي يدور بيننا عن الشعرية العربية الجديدة بداية من التسعينيات في مصر وفي المجتمعات العربية بشكل عام.

وأوضح ريان أن أهم إنجاز للشعراء الذين أتوا بعد السبعينيات كان هو تأكيد قصيدة النثر، واتساعها بشكل غير مسبوق في زمن يدخل إلى مرحلة التعدد اللانهائي (كان التعدد هو شعار الحداثة، ولكن وقتها كان التعدد بسيطاً محدوداً يسمي أحيانا بـ "عبر النوعية" علي العكس من التعدد الذي عرف بعد ذلك والذي يتوالد بلا توقف ويتسع بلا سقف).

إن الروح ما بعد الحداثية تشيع في حياتنا، ولن تسمح بسيادة تيار شعري واحد، بل لن تسمح بسيادة أي تيار واحد وحيد في أي ظاهرة أخرى، في السياسة أو في أي مجال في الفكر أو العلم أو الفلسفة، ولن يعود الزمن الذي يسود فيه تيار واحد أو نظام واحد مرة أخرى، بسبب هذا التفجر الذي يتوالد كل يوم في كافة هذه الظواهر في كل المجتمعات البشرية باختلاف درجة تطورها.

وبناء علي هذا التصور فلن يسود نمط ثقافي واحد في كافة المجالات. وفي المجال الإبداعي والأدبي أيضاً لن يسود تيار شعري وحيد بل ستكون هناك تيارات شعرية عديدة كل تيار منها سيتحمس له فصيل من الشعراء والمثقفين والمتذوقين، بل ومن الممكن في المجتمعات المتحضرة أن يدور حوار ناضج مسئول بين كافة هذه الاتجاهات.