وإن لم يتفق السوريون

ولكن مَن هم السوريون؟

يبدو السؤال مستفزا ومشاكسا وممعنا في غرابته. هل وصلنا إلى مرحلة، يكون فيها تعريف السوري والتعرف عليه أمرين غامضين.

الواقع يقول شيئا من هذا القبيل وأكثر. ذلك لأن المسافة بين سوري وآخر صارت تتسع مع الوقت. كل كارثة جديدة من الكوارث التي ألمت بهم تحمل معها دليلا آخر على الاختلاف. ليست هناك أسباب لحياة مشتركة مثلما ليست هناك أسباب لموت مشترك. لم يعد ذلك الامر حكرا على الموالين والمعارضين، فتلك مسألة قد تلفها السياسة بظلال لعبتها الماكرة.

المسألة ذات بعد إنساني، لا تشكل السياسة إلا أحد أبوابه المتعددة.

سوريو النزوح غير سوريي الإقامة.

هناك مَن مدته الحرب بأسباب الغنى والوجاهة والترف وهناك مَن سرقت منه الحرب سقف بيته وجوعته وسلمته للحرمان وسلبت كرامته وأشعرته باليتم الأبدي.

سوريو دمشق غير سوريي حلب.

المعارضون الذين يخطون أيامهم بأصابع رمادية على جدران المعتقلات لا تصلهم أخبار المعارضين الذين يمسدون بأصابع مترفة وسائدهم قبل أن يضعوا رؤوسهم عليها وهم يحلمون بالذهاب إلى دمشق حكاما.

الشعب السوري ليس واحدا، كما كان المتظاهرون السلميون يرددون عام 2011 وهم يرقصون في الشوارع مطالبين بنهاية كابوس البعث.

حتى على مستوى سياسي فإن أهل الحكم مثلما هم أهل المعارضة ليسوا من صنف واحد. دائما كانت هناك أصناف غير أن دخول سوريا في المزاد العالمي زاد من تعقيد وتشعب وتعدد وتنوع تلك الأصناف.

وإذا ما كانت الشعارات والاصوات العالية قد غطت على كل شيء فإن هناك مَن هو وطني، نزيه وعفيف في كلا الجانبين وهناك في المقابل مَن هو انتهازي، وصولي ولص. غير أن كلا الشخصين، رجل المبادئ ورجل الأعمال يعرفان ما الذي يحدث، بعكس الغالبية العظمى من أبناء الشعب السوري التي صارت ضحية لما يُقال زورا وبهتانا وتمييعا لحقائق العيش الطبيعي.

ولكثرة الحكايات فقد ضاعت الحكاية الأصلية. وبدلا من متاهة واحدة صار السوريون يدورون بين دروب متاهات متعددة وما من أحد على يقين من أنه سيخرج سالما. صارت النجاة وهما بعد أن تحول اللجوء إلى مهنة.

ولأن السوريين يتحاورون من وراء حجب بعد أن دولت قضيتهم فقد توزعوا بين الأمم ولم تعد هناك من قضية توحد بينهم. لكل مجموعة منهم قضيتها التي لا تصلح أن تكون معيارا للحقيقة.

الشتات السوري لا يمكن أن يُعيد لسوريا شعبها الذي نعرفه.

محاولة الرئيس الروسي بوتين في سوتشي ستكون محل سخرية السوريين لأنها ستفضح عجزهم عن أن يستعيدوا قدرتهم على أن يكونوا شعبا واحدا. هذا أولا وثانيا لأن ما سيتفق عليه الحاضرون في ذلك المؤتمر انما ينحصر في استعراض تباين مواقفهم من مسألة صار حلها يأتي من الخارج بالرغم من أنها تتعلق بمصيرهم.

يوم كان السوريون قادرين على فعل شيء ما لم ينجحوا في تخطي عقد الاختلاف، فهل يمكن أن يتفقوا بعد أن اعترفوا جهارا بعجزهم المدوي؟

لقد تشظت الفسيفساء السورية التي كانت يوما ما محل اعجاب العالم. فبعد "داعش" و"جبهة النصرة" و"حزب بالله" وسواهم من التنظيمات الإرهابية التي داست بأقدام مجرميها قلوب وعقول السوريين لم يعد في الإمكان الحديث عن أقليات تشعر بأن هويتها السورية تكفي مسوغا لوجودها.

الأدهى من ذلك أن السوريين كلهم صاروا أقليات. فهناك سوريو إيران وميليشياته وهناك سوريو تركيا ومن ورائها الدول الممولة وهناك سوريو اللجوء والنزوح وسوريو التلفت بين مكانين وهم سوريو البين بين. ليس في إمكانهم أن يعودوا إلى الأطلال وهم لم يصلوا بعد مطمئنين إلى نقطة اللاعودة.

إذا ما اتفق المجتمع الدولي على حل للمسألة السورية فإنه لن يجد أمامه شعبا متفقا على مصيره.